أيام الابتكار الزراعي والغذائي: من الفكرة اللبنانية إلى الأسواق

«أيام الابتكار الزراعي والغذائي» تفتح الباب أمام تحويل المعرفة إلى إنتاج وقيمة مضافة وأسواق


ميديا برس ليبانون _ لم تعد معركة الزراعة اللبنانية مرتبطة بزيادة الإنتاج فقط، بل بقدرة هذا الإنتاج على الصمود اقتصاديًا والوصول إلى المستهلك والمنافسة في الأسواق. فمع ارتفاع كلفة المياه والطاقة والمدخلات، وتداعيات تغير المناخ والخسائر بعد الحصاد، أصبحت المعادلة أكثر تعقيدًا: إنتاج أكثر لا يعني بالضرورة دخلًا أكبر.

من هنا جاءت «أيام الابتكار الزراعي والغذائي»، التي افتتحها تجمّع QOOT بالتعاون مع سبينيس لبنان، وبرعاية وزارات الزراعة والاقتصاد والتجارة والصناعة، لتطرح سؤالًا يتجاوز التكنولوجيا: كيف يمكن تحويل المعرفة والبحث العلمي والأفكار اللبنانية إلى منتجات قابلة للاستثمار، وقيمة مضافة، وفرص عمل وأسواق؟

وتزامنت المبادرة مع «اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار من أجل بلدان الجنوب» المعتمد من الأمم المتحدة، وجمعت المزارعين والباحثين والمبتكرين والمستثمرين وقطاع التجزئة والمؤسسات الرسمية والدولية، في محاولة لبناء الجسر بين الفكرة والسوق.

من «كم ننتج؟» إلى «كم نربح من الإنتاج؟»

في كلمة وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، التي ألقاها مستشاره فادي غانم، برز توجه نحو إعادة تعريف الزراعة من خلال الكفاءة والقيمة الاقتصادية، لا حجم الإنتاج فقط.

وأكد هاني أن الابتكار الزراعي والغذائي لم يعد ترفًا، بل أصبح شرطًا للاستمرار والمنافسة وتحقيق الأمن الغذائي، في ظل شح المياه وارتفاع كلفة الطاقة والمدخلات واضطراب الأسواق.

وبحسب هذه الرؤية، لم يعد السؤال فقط «كم ننتج؟»، بل كيف ننتج أفضل، بموارد أقل، وفاقد أدنى، وجودة أعلى، وقيمة مضافة أكبر للمزارع والاقتصاد اللبناني؟

الزراعة اللبنانية تدخل عصر البيانات

وضعت وزارة الزراعة الابتكار والمعرفة ضمن الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2026–2035، إلى جانب الحوكمة والإرشاد وسلاسل القيمة والإدارة المستدامة للموارد وسلامة الغذاء والتتبّع.

ويعني ذلك الانتقال من الاعتماد على الخبرة التقليدية وحدها إلى دمجها بالبيانات والبحث العلمي والتكنولوجيا، ومن معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى رصد المخاطر والتنبؤ بها والوقاية منها.

وفي هذا السياق، أشار هاني إلى أن عدد المسجلين في السجل الزراعي بلغ نحو 85 ألف مزارع، معتبرًا أن السجل يشكل قاعدة لبناء سياسات تستند إلى البيانات، وتحديد حاجات المزارعين وتحسين برامج الدعم والإرشاد.

من الطائرات المسيّرة إلى الزراعة الدقيقة

لا يقتصر الابتكار الزراعي على التطبيقات الرقمية، بل يشمل أجهزة استشعار رطوبة التربة، وأنظمة الإنذار المبكر للصقيع والآفات، والمصائد الذكية، والصور الجوية لرصد الإجهاد المائي، وتقنيات التبريد والعبوات التي تحد من فاقد ما بعد الحصاد.

وأشار هاني إلى أن وزارة الزراعة بدأت إدخال أدوات الزراعة الدقيقة في عملها الميداني، بما فيها استخدام الطائرات المسيّرة في الرصد والمعالجة، بالتوازي مع تطوير برامج مراقبة التربة والآفات وترشيد استخدام المياه والمدخلات.

لكن التكنولوجيا، وفق هذه المقاربة، لا تكفي وحدها؛ إذ يجب أن تتحول إلى خفض في الكلفة، وزيادة في الإنتاجية، وتحسين في الجودة، ودخل أفضل للمزارع.

المعركة الحقيقية تبدأ بعد الحصاد

تشكل مرحلة ما بعد الحصاد إحدى أبرز نقاط الضعف في السلسلة الزراعية، إذ يمكن أن يؤدي ضعف التخزين والتبريد والفرز والتوضيب والنقل إلى تحويل جزء من الإنتاج إلى خسارة اقتصادية.

لذلك يدفع مفهوم الابتكار المطروح نحو تطوير سلسلة القيمة كاملة، من البذور وصحة التربة والمياه، إلى الحصاد والتبريد والتخزين والتوضيب والتصنيع والتتبّع والتسويق والتصدير.

كما تبرز أهمية الاقتصاد الدائري من خلال تحويل المنتجات الثانوية والمخلفات الزراعية والغذائية إلى موارد قابلة للاستثمار بدل بقائها مصدرًا للهدر.

المؤشر الحقيقي: حصة المزارع من السعر

نجاح الموسم لا يقاس بحجم المحصول وحده. فالأسئلة الاقتصادية الأهم تتعلق بكمية المياه والطاقة المستخدمة لإنتاج الطن، ونسبة الفاقد، وكلفة النقل والتخزين، والقيمة التي يضيفها التصنيع، والأهم كم يبقى للمزارع من السعر الذي يدفعه المستهلك؟

ولهذا دعا هاني إلى اعتماد مؤشرات تشمل إنتاجية المياه، وكلفة الطاقة، ونسبة الفاقد بعد الحصاد، ومطابقة المنتجات لمعايير السلامة، وحصة المزارع من السعر النهائي، والقيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد اللبناني.

من المختبر إلى رف المتجر

جسّدت فقرة «60 ثانية نحو الرف» هذا التوجه، بمشاركة 12 شركة لبنانية مبتكرة قدمت منتجاتها وحلولها أمام ممثلي قطاع التجزئة والجهات المعنية.

فالفكرة، مهما كانت متقدمة، لا تتحول إلى قيمة اقتصادية ما لم تنتقل من المختبر إلى الحقل، ومن الحقل إلى المصنع، ومن المصنع إلى رف المتجر، ثم إلى الأسواق الخارجية.

وهنا يصبح قطاع التجزئة شريكًا في الابتكار، من خلال اختبار المنتجات وفهم حاجات المستهلك وتحفيز الجودة والتوضيب والتتبّع والاستدامة.

الاستثمار في المعرفة استثمار في الاقتصاد

كل تقنية تخفض استهلاك المياه تعني موردًا محفوظًا، وكل حل يقلل الهدر يعني إنتاجًا إضافيًا من الكمية نفسها، وكل عملية تصنيع ترفع القيمة المضافة، وكل منتج قادر على التصدير يفتح مصدرًا جديدًا للدخل.

لذلك فإن الاستثمار في الابتكار الزراعي يمكن أن يتحول إلى جزء من استراتيجية اقتصادية أوسع، خصوصًا في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج والحاجة إلى تعزيز تنافسية المنتجات اللبنانية.

وفي هذا الإطار، دعا هاني الجامعات والباحثين والشركات الناشئة والمستثمرين إلى توجيه ابتكاراتهم نحو تحديات المزارع اللبناني، وفي مقدمها المياه والطاقة والآفات والتغير المناخي وكلفة الإنتاج وما بعد الحصاد والتصنيع والتسويق والتصدير.

الزراعة والشباب: اقتصاد جديد

وأكد هاني أن الزراعة لم تعد قطاعًا تقليديًا بمعناه القديم، بل أصبحت مجالًا للذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد والطائرات المسيّرة والتقنيات الحيوية والطاقة المتجددة والتصنيع الغذائي والاقتصاد الدائري والتجارة الرقمية.

وقال إن المطلوب أن يرى الشباب في الأرض ليس فقط إرثًا يجب الحفاظ عليه، بل مجالًا للاستثمار والمعرفة والابتكار وفرص العمل.

هل تتحول الفكرة إلى اقتصاد؟

وضعت «أيام الابتكار الزراعي والغذائي» أمام القطاع الزراعي اللبناني معادلة واضحة: الانتقال من اقتصاد الإنتاج وحده إلى اقتصاد المعرفة والقيمة المضافة.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الأفكار والشركات المشاركة، بل في قدرة الابتكار على الوصول إلى الحقول والمصانع والأسواق، وخفض الكلفة والهدر، ورفع الجودة، وخلق فرص عمل، وفتح أسواق جديدة.

وعندها فقط تتحول عبارة «نزرع المعرفة إلى جانب البذور» من شعار إلى نموذج اقتصادي قابل للقياس، يرفع إنتاجية المزارع، ويعزز تنافسية المنتج اللبناني، ويزيد القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الزراعي والاقتصادي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا