قانون الإعلام الجديد أمام أول اختبار قضائي: هل انتهى زمن ملاحقة الصحافي جزائياً بالقدح والذم؟
محلّيات | ميديا برس ليبانون _ لم يعد قانون الإعلام الجديد رقم 69/2026 مجرد نص تشريعي دخل حيّز التنفيذ، بل بدأ يواجه أول اختبار حقيقي أمام القضاء، مع عودة ملفات قديمة تتعلق بالقدح والذم إلى الواجهة واستدعاء صحافيين على خلفية دعاوى تعود إلى سنوات سابقة.
فقد أعلن اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان تبلّغه استدعاء الصحافيين موسى عاصي ومروة صعب في قضايا قدح وذم تعود دعاواها إلى الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2022، بعدما جرى تحريكها أمام القضاء الجزائي.
ومن هنا تبرز المسألة القانونية الأهم:
ماذا يحدث للقضايا التي بدأت في ظل القانون القديم، لكنها لا تزال عالقة أمام القضاء بعد دخول قانون الإعلام الجديد حيّز التنفيذ؟
المادة 105 تغيّر قواعد اللعبة
بحسب قراءة الاتحاد لأحكام القانون الجديد، تكمن النقلة الأساسية في المادة 105، التي ألغت المواد الجرمية المتعلقة بالقدح والذم والتحقير الواردة في عدد من القوانين.
وتترافق هذه الخطوة مع المواد 106 و107 و108 التي تضع هذه الأفعال ضمن إطار «الأعمال غير المباحة أو شبه الجرم»، بما ينقل المعالجة من المجال الجزائي إلى نطاق المسؤولية المدنية، وفق قانون الموجبات والعقود وأصول المحاكمات المدنية.
كما نص القانون، وفق ما أورده الاتحاد، على إنشاء غرف مدنية ابتدائية مختصة بالنظر في شبه جرائم الرأي والإعلام.
وهنا تكمن أهمية التغيير: المسألة لم تعد، وفق هذا الإطار التشريعي، مجرد تعديل في العقوبة، بل إعادة توصيف قانوني لطبيعة الفعل والمسؤولية المترتبة عليه.
لكن ماذا عن الملفات القديمة؟
هذه هي العقدة القانونية الأكثر حساسية.
فالدعاوى موضوع الاستدعاءات الحالية بدأت، بحسب بيان الاتحاد، قبل سنوات من صدور القانون الجديد. وبالتالي فإن السؤال لا يتعلق فقط بما يقوله القانون الجديد، بل أيضاً بمبدأ تطبيق القانون من حيث الزمان، وبالمرحلة الإجرائية التي وصلت إليها كل دعوى.
هل يكفي أن يكون الملف لا يزال عالقاً أمام القضاء حتى يخضع للنظام القانوني الجديد؟.
أم أن بعض الآثار القانونية للفعل تبقى مرتبطة بالقانون الذي كان نافذاً عند وقوع النشر؟.
وهل تختلف النتيجة بحسب ما إذا كان الملف في مرحلة التحقيق أو المحاكمة أو صدر فيه حكم؟
هذه الأسئلة لا تُحسم بالخطاب السياسي أو النقابي، بل تحتاج إلى تطبيق دقيق لقواعد القانون الجزائي والإجرائي ومبدأ عدم رجعية القوانين، مع التمييز بين القانون الذي يجرّم فعلاً وبين القوانين التي تكون أصلح للمتهم أو تلغي التجريم.
المادة 61: الإعلام الإلكتروني يدخل صراحة في صلب القانون
ومن النقاط التي يركز عليها الاتحاد أيضاً المادة 61، التي وسعت نطاق تنظيم الإعلام ليشمل النشر والتعبير بواسطة الوسائل الإلكترونية، سواء عبر المواقع الإعلامية المهنية أو من خلال استخدام الأفراد للوسائل الإلكترونية.
وهذا التطور له أهمية خاصة في لبنان، حيث أصبحت المنصات الرقمية والمواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من المشهد الإعلامي.
وبالتالي، فإن التعامل مع المحتوى المنشور إلكترونياً يحتاج إلى قراءته ضمن الإطار القانوني الجديد، لا باعتباره مساحة خارجة عن قانون الإعلام.
من التجريم إلى المسؤولية المدنية
التحول الذي يستحق التوقف عنده هو فلسفة المعالجة نفسها.
في النموذج الجزائي، يمكن أن يتحول التعبير محل النزاع إلى ملف جزائي وما يرافقه من استدعاء وتحقيق ومحاكمة وعقوبات وفق النصوص النافذة.
أما في الإطار المدني الذي يشير إليه القانون الجديد، فيصبح محور النزاع هو المسؤولية عن الضرر وحقوق المتضرر ووسائل جبر الضرر.
وهذا يطرح توازناً مختلفاً بين حق الشخص في حماية سمعته وكرامته، وبين حق الصحافي والمواطن في التعبير والنقد والنشر.
بمعنى آخر: إلغاء التجريم لا يعني إلغاء المسؤولية عن الضرر، كما أن حماية السمعة لا تعني تلقائياً تجريم الرأي أو النقد.
وهنا تحديداً تكمن أهمية القضاء المدني المتخصص.
هل يصبح القضاء المدني خط الدفاع الجديد عن حرية الصحافة؟
إنشاء غرف مدنية ابتدائية مختصة بشبه جرائم الرأي والإعلام، كما ينص القانون بحسب الاتحاد، يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من التقاضي الإعلامي.
فبدلاً من تحويل الخلاف حول مقال أو تحقيق أو منشور إلى مسار جزائي، يصبح النزاع ضمن إطار قضائي متخصص يبحث في:
– طبيعة المحتوى المنشور.
– حدود النقد المباح.
– وجود ضرر فعلي.
– العلاقة بين النشر والضرر المدعى به.
– المسؤولية القانونية للناشر.
– وسائل جبر الضرر والتعويض عند ثبوت المسؤولية.
وهذا يفترض في المقابل أن تكون الحماية القانونية للصحافي متوازية مع حماية حق الأفراد والمؤسسات في اللجوء إلى القضاء عند وقوع ضرر حقيقي.
الاختبار ليس للصحافيين وحدهم
القضية المطروحة اليوم تتجاوز أسماء الصحافيين المستدعين.
فإذا كان القانون رقم 69/2026 قد نقل فعلاً القدح والذم من دائرة التجريم الجزائي إلى إطار المسؤولية المدنية، فإن استمرار فتح أو تحريك ملفات قديمة أمام القضاء الجزائي يحتاج إلى إجابة قانونية واضحة من الجهات القضائية المختصة.
والسؤال هنا ليس: من مع الصحافي ومن ضده؟.
بل: أي قانون يجب أن يُطبَّق على ملف أصبح عالقاً بعد دخول تشريع جديد ألغى التجريم أو أعاد توصيف الفعل؟
هذه هي المسألة التي تستحق معالجة قضائية معللة، لأن الإجابة عنها ستشكل سابقة عملية لكيفية التعامل مع عشرات الملفات الإعلامية العالقة.
القانون الجديد يدخل امتحان التطبيق
دخل قانون الإعلام الجديد حيز التنفيذ، لكن قيمة أي قانون لا تقاس بالنص المنشور في الجريدة الرسمية فقط، بل بكيفية تطبيقه أمام القضاء.
وإذا كان المشرّع قد اختار إعادة وضع القدح والذم والتحقير ضمن إطار المسؤولية المدنية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب وضوحاً قضائياً في كيفية التعامل مع الملفات التي نشأت في ظل التشريع السابق وما زالت عالقة.
أما الصحافيون، فيحتاجون إلى معرفة حدود حقوقهم ومسؤولياتهم الجديدة، كما يحتاج المتضررون من أي نشر إلى مسار قضائي فعال لحماية حقوقهم.
وبين حرية التعبير من جهة، وحماية السمعة والحقوق الشخصية من جهة أخرى، سيكون قانون الإعلام رقم 69/2026 أمام امتحانه الحقيقي: هل يتحول إلغاء التجريم من نص في الجريدة الرسمية إلى ممارسة قضائية فعلية، أم تبقى الملفات القديمة أسيرة النصوص التي أُلغيَت؟.
السؤال لم يعد تشريعياً فقط؛ بل أصبح سؤالاً قضائياً وحقوقياً مطروحاً على أرض الواقع.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الإعلامي



اترك تعليقًا