الأمم المتحدة أمام اختبار القوة الأميركية: هل بدأ ترامب هندسة «الخروج الكبير» من حروب المنطقة؟
نيويورك| ميديا برس ليبانون _ أحمد موسى _ نيويورك ليست منصة خطابات فقط. ففي نيويورك، حيث تجتمع الدول تحت سقف الأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، لا تبدو الجمعية العامة هذا العام مجرد موعد دبلوماسي سنوي لتبادل المواقف والخطب، بل تتحول إلى مساحة اختبار حقيقية لإمكان إعادة ترتيب المشهد الدولي بعد سنوات من الحروب والانقسامات وتراجع قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على إنتاج تسويات ملزمة.
فالمناقشة العامة للدورة الـ81 بدأت في 22 أيلول وتستمر حتى 28 منه، فيما تتكثف على هامشها لقاءات القادة والوزراء والمبعوثين، وهي اللقاءات التي غالباً ما تحمل الوزن السياسي الأكبر من المنبر نفسه.
وفي قلب هذا المشهد، جاء خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاملاً معادلة تبدو للوهلة الأولى متناقضة: تهديد باستخدام القوة إلى أقصى حدودها، بالتوازي مع حديث متكرر عن إنهاء الحروب وإبرام الصفقات.
وهنا تحديداً تبدأ القراءة السياسية الأهم: هل نحن أمام خطاب قوة يسبق تسوية، أم أمام إدارة أميركية تستخدم التهديد العسكري لتحسين شروط التفاوض؟.
ترامب في الأمم المتحدة: خطاب رئيس أميركا أم خطاب إدارة للنظام الدولي؟
ترامب لم يقدم في خطابه سرداً تقليدياً للسياسة الخارجية الأميركية، بل أعاد تقديم السنوات الأولى من ولايته بوصفها دليلاً على أن القوة الأميركية قادرة على معالجة أزمات قال إن الإدارات السابقة عجزت عن حلها.
وبحسب رويترز، استغرق الخطاب نحو 37 دقيقة، ودافع خلاله ترامب عن خيارات إدارته الخارجية، وهاجم المحكمة الجنائية الدولية، وتحدث عن الحرب مع إيران والحرب الروسية–الأوكرانية، كما ربط إمكان التوصل إلى اتفاق مع طهران بما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
لكن الأخطر سياسياً لم يكن في استعراض الإنجازات الأميركية، بل في الرسالة التي حاول ترامب تثبيتها أمام العالم: الولايات المتحدة، في تصوره، لا تريد إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، بل تريد فرض شروط إنهائها من موقع القوة.
وهذه نقطة تختلف عن الدبلوماسية التقليدية التي تنطلق من موازنة مصالح الأطراف. فخطاب ترامب يضع القوة الأميركية في مقدمة المعادلة، ثم يفتح باب التفاوض باعتباره نتيجة محتملة لا بديلاً عن الضغط.
إيران: بين «الإبادة» في الخطاب و«الصفقة» في الحسابات
كان الملف الإيراني الأكثر دلالة. فترامب أعاد التأكيد على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وذهب إلى التهديد بإمكان «إبادة» إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، لكنه في الوقت نفسه تحدث عن احتمال عقد صفقة بعد الانتخابات النصفية الأميركية.
وهنا تكمن المفارقة: إذا كانت الحرب هي الهدف النهائي، فلماذا يبقى باب الصفقة مفتوحاً؟ وإذا كانت الصفقة هي الهدف، فلماذا تُرفع سقوف التهديد إلى هذا الحد؟.
المعادلة الأقرب إلى القراءة السياسية هي أن واشنطن تحاول الجمع بين مسارين في وقت واحد: الضغط العسكري والسياسي من جهة، وترك قناة تفاوضية قابلة للحياة من جهة أخرى.
وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية مع السماح للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأعضاء أساسيين من الوفد الإيراني بدخول الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، رغم استمرار الحرب بين واشنطن وطهران. وقد أكدت الإدارة الأميركية أن السماح جاء انسجاماً مع التزامات الدولة المضيفة تجاه الأمم المتحدة.
أي أن باب نيويورك لم يُغلق أمام طهران، رغم أن باب الحرب لم يُغلق أيضاً.
وهذا التفصيل قد يكون أكثر أهمية من اللهجة التصعيدية في الخطاب نفسه.
الانتخابات النصفية: السياسة الخارجية تدخل الحساب الداخلي
لا يمكن فصل خطاب ترامب عن توقيته السياسي. فالرئيس الأميركي لم يكتف بعرض سياسته الخارجية، بل ربط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بعض ملفاتها الكبرى بالمرحلة التي تسبق الانتخابات النصفية، متحدثاً عن احتمال إبرام اتفاق مع إيران بعد انتخابات تشرين الثاني.
وهنا يصبح السؤال مختلفاً: هل تتحرك الدبلوماسية الأميركية وفق روزنامة النزاعات فقط، أم وفق روزنامة السياسة الأميركية الداخلية أيضاً؟.
لا يمكن الجزم بأن الخطاب كان «حملة انتخابية» بالمعنى الحصري، لكن من الواضح أن ترامب وضع الأداء الداخلي والخارجي لإدارته في إطار واحد أمام الجمهور الأميركي والعالمي.
وهذا يجعل أي تسوية محتملة مع إيران، أو أي تقدم في ملف أوكرانيا، قابلاً لأن يتحول إلى رصيد سياسي داخلي قبل الانتخابات النصفية.
غزة وفلسطين: مفارقة التأشيرات والمنابر
في المقابل، ظهر الملف الفلسطيني في قلب التناقضات التي تحيط بالدبلوماسية الأميركية.
فالولايات المتحدة منعت الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الحصول على تأشيرة دخول للمشاركة شخصياً في اجتماعات الجمعية العامة، قبل أن تصوّت الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة على السماح له بالمشاركة عبر الفيديو.
وفي المقابل، يشارك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أعمال الجمعية العامة، في وقت لا يزال خاضعاً لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات تتصل بالحرب في غزة، وهي اتهامات تنفيها إسرائيل.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات المشهد الدولي وضوحاً: الأمم المتحدة تمنح المنبر، لكن القدرة على الوصول إلى المنبر ما زالت مرتبطة أيضاً بموازين القوة بين الدول.
أما القول إن نتنياهو عاد مباشرة إلى تل أبيب خوفاً من توقيفه من عمدة نيويورك، فيحتاج إلى حذر؛ إذ إن زهران ممداني نفسه أقر سابقاً بأن سلطات مدينة نيويورك لا تملك صلاحية تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية.
لذلك، فإن القراءة المهنية تقتضي الفصل بين وجود مذكرة التوقيف الدولية وبين صلاحية السلطات المحلية الأميركية لتنفيذها.
غزة ولبنان وأوكرانيا: أين هو «السلام» الذي تحدث عنه ترامب؟
المفارقة الأكبر أن خطاب إنهاء الحروب يأتي في لحظة لا تزال فيها عدة جبهات مفتوحة أو شديدة الهشاشة.
الحرب الروسية–الأوكرانية لم تُحسم، والحرب في المنطقة لم تُنتج بعد تسوية شاملة، فيما بقيت غزة ولبنان وإيران ضمن منظومة أمنية واحدة شديدة الترابط.
ولهذا فإن عبارة «إنهاء الحروب» لا يمكن قراءتها باعتبارها إعلاناً عن انتهاء الصراعات، بل باعتبارها هدفاً سياسياً تعلن الإدارة الأميركية أنها تسعى إلى تحقيقه. والفارق جوهري.
فالنتيجة لا تُقاس بما يقوله القادة من على المنبر، وإنما بما ينتج عن اجتماعات الغرف المغلقة، وموازين القوى، والضمانات، والاتفاقات المكتوبة، وآليات التنفيذ.
تركيا والأردن وغوتيريش: خطاب آخر للأزمة
في الجهة المقابلة من المشهد، حملت كلمات عدد من القادة مقاربة مختلفة، مع تركيز واضح على القضية الفلسطينية وحل الدولتين.
وقد انتقد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أداء النظام الدولي، معتبراً أن الأمم المتحدة أصبحت عاجزة عن أداء الدور الذي أنشئت من أجله، وربط ذلك خصوصاً بما يجري في فلسطين ولبنان والسودان.
أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في سنته الأخيرة في هذا المنصب، فيدفع باتجاه الحفاظ على التعددية وإصلاح النظام الدولي، فيما تطرح أعمال الدورة الـ81 نفسها تحت عنوان استعادة الثقة وإدارة التحول وبناء أمم متحدة قادرة على العمل للجميع.
وهنا تظهر فجوة جوهرية: واشنطن تتحدث عن القوة والنتائج؛ الأمم المتحدة تتحدث عن الشرعية والتعددية؛ والدول المتضررة من الحروب تبحث عن وقف النار والضمانات.
وبين هذه المستويات الثلاثة ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
مجلس الأمن: العقدة التي لا تحلها الخطب
إذا كانت الجمعية العامة تعكس إرادة المجتمع الدولي سياسياً، فإن مجلس الأمن يبقى المكان الذي تتحول فيه الإرادات إلى قرارات ملزمة، أو تتعطل فيه بسبب موازين القوى وحق النقض.
لذلك فإن أي حديث جدي عن إعادة بناء النظام الدولي لا يمكن أن يتجاوز سؤال إصلاح مجلس الأمن، وتمثيل القوى الصاعدة، وحدود استخدام الفيتو، وقدرة المنظمة الدولية على تنفيذ قراراتها.
وهذه ليست قضية تقنية.
إنها في جوهرها معركة على سؤال أكبر: من يملك حق تعريف الأمن الدولي؟ ومن يملك حق فرض قواعده؟
لبنان: الدولة الصغيرة داخل معادلة أكبر منها
وفي كل هذه الحسابات، لا يقف لبنان خارج المشهد. فالوفد اللبناني الموجود في نيويورك، وعلى مستوى رئيس الحكومة، يتحرك داخل بيئة إقليمية تتداخل فيها الحرب على إيران، والملف الإسرائيلي–الفلسطيني، والوضع على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
ومن هنا فإن أي تفاهم أميركي–إيراني، إذا تحقق، لن يكون حدثاً ثنائياً محضاً.
كما أن أي تسوية تتعلق بإسرائيل أو غزة أو جنوب لبنان يمكن أن تنعكس على لبنان، سواء في المجال الأمني أو السياسي أو الاقتصادي.
لكن الأهم أن لبنان لا يستطيع بناء سياسته على افتراض أن صفقة إقليمية ستُنجز حتماً.
فالصفقات الكبرى قد تفتح أبواباً، لكنها قد تفرض أيضاً شروطاً جديدة على الدول الواقعة في خطوط التماس.
نيويورك تختبر إمكانية تحويل القوة إلى تسوية
الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 ليست أمام أزمة واحدة، بل أمام منظومة أزمات متداخلة: إيران، إسرائيل، غزة، لبنان، أوكرانيا، مستقبل النظام الدولي، المحكمة الجنائية الدولية، وإصلاح الأمم المتحدة.
وخطاب ترامب أضاف عنصراً جديداً إلى هذه المعادلة: الرغبة في تقديم القوة الأميركية باعتبارها الأداة التي تسبق التسوية وتحدد شروطها.
لكن القوة وحدها لا تنتج سلاماً مستداماً، كما أن الدبلوماسية وحدها لا توقف الحروب إذا لم تستند إلى موازين قادرة على حماية الاتفاقات.
لهذا فإن الاختبار الحقيقي لخطاب ترامب لن يكون في التصفيق الذي حصدته كلمته، ولا في حدّة عباراته، بل في ما سيخرج من اجتماعات نيويورك المغلقة خلال الأيام المقبلة.
هل تتحول التهديدات إلى تفاوض؟.
هل يتحول التفاوض إلى اتفاق؟.
وهل يكون الاتفاق إيرانياً–أميركياً فقط، أم يمتد إلى هندسة أوسع للشرق الأوسط؟.
والسؤال اللبناني يبقى الأكثر حساسية: إذا بدأت فعلاً عملية إعادة ترتيب المنطقة، فأين سيكون لبنان على خريطة التسوية المقبلة: شريكاً في القرار، أم ساحةً تتلقى نتائج القرارات التي تُتخذ في عواصم أخرى؟.
هذا هو السؤال الذي لا تجيب عنه خطابات الجمعية العامة، بل تحدده الكواليس والخرائط وموازين القوة خلال المرحلة المقبلة.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي



اترك تعليقًا