“سرار” بعد 33 عامًا: هل تنتهي معاناة عكار أم يبدأ فصل جديد من أزمة النفايات؟


محليات – ميديا برس ليبانون _ لم يكن اجتماع وزير الداخلية والبلديات مع رؤساء بلديات القرى المحيطة بمكب “سرار” اجتماعًا عاديًا حول ملف خدماتي، بل جاء في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى منطقة تقول إنها تتحمل منذ 33 عامًا أعباء بيئية وصحية وزراعية ومائية مرتبطة بملف النفايات، فيما تبرز في المقابل معلومات ومطالب تتصل بإمكان استقبال كميات إضافية من النفايات.

وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تدخل سرار اليوم مرحلة الحل المستدام، أم أن المنطقة مهددة بأن تتحول مجددًا إلى عنوان لمعالجة أزمات نفايات مناطق أخرى قبل معالجة الأضرار المتراكمة فيها؟

الدولة أمام اختبار سرار

الاجتماع الذي عقده وزير الداخلية والبلديات جمع إلى جانب رؤساء البلديات، رئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد قباني، ومحافظ عكار عماد لبكي، ورئيس إدارة النفايات الصلبة مروان رزق الله، ورئيس اتحاد بلديات الدريب الشمالي، وعددًا من رؤساء البلديات والمختار المعني.

وعلى الطاولة كانت هواجس القرى المحيطة بالمكب، من الأضرار البيئية والصحية إلى المياه والزراعة، إضافة إلى المطالب الإنمائية والخدماتية.

وبحسب المعطيات التي عرضها المجتمعون، فإن جوهر المشكلة لا يرتبط فقط بالنفايات التي تصل إلى المنطقة، بل بإرث عمره أكثر من ثلاثة عقود، وبوعود سابقة بتشغيل المطمر الصحي ومعمل الفرز ومعالجة الأضرار وإنصاف البلدات التي تحملت أعباء هذا الملف.

من هنا، فإن أي قرار جديد يتعلق بسرار لا يمكن فصله عن سؤال أساسي: هل جرى استكمال البنية التحتية اللازمة لمعالجة النفايات وفق الأصول والمعايير الصحية والبيئية؟

البلديات: لا ننقل الضرر من منطقة إلى أخرى

رئيس بلدية وادي الحور الشيخ سمير العلمان، الذي تحدث باسم الوفد، أكد أن القرى المحيطة بسرار لا تقف ضد طرابلس وأهلها ولا ضد إيجاد حلول لأزمة النفايات.

لكن موقف البلديات، وفق ما عرضه العلمان، يقوم على مبدأ واضح: حل أزمة منطقة لا ينبغي أن يكون عبر نقل الضرر إلى منطقة أخرى.

وهذا الطرح يضع ملف النفايات أمام معادلة تتجاوز حدود عكار وطرابلس: إذا كانت الدولة مطالبة بتأمين معالجة عاجلة للنفايات، فهي في الوقت نفسه مطالبة بضمان ألا تتحول المعالجة المؤقتة إلى عبء بيئي دائم على منطقة محددة.

33 عامًا من الانتظار… وماذا بعد؟

الرقم الأكثر حضورًا في الاجتماع كان 33 عامًا.
ثلاثة عقود ونيّف تقول البلديات إنها تحملت خلالها أعباء المكب، وسط وعود متكررة بتشغيل المطمر الصحي ومعمل الفرز ومعالجة التداعيات.

واليوم، لا تطالب البلديات، بحسب طرحها، بوعد جديد، بل ببرنامج واضح يمكن قياسه:

– تشغيل المطمر الصحي ومعمل الفرز وفق المعايير المطلوبة.
– تحديد جدول زمني واضح للتنفيذ.
– معالجة الأضرار البيئية والصحية والمائية المتراكمة.
– إطلاق مشاريع إنمائية ومائية وتعويضية للبلدات المتضررة.
– تحديد قدرة الموقع وآلية تشغيله قبل السماح بتحويله إلى نقطة استقبال إضافية للنفايات.

وهنا تحديدًا تنتقل القضية من ملف نفايات إلى ملف عدالة إنمائية.
هل يمكن استقبال المزيد قبل معالجة الموجود؟
هذا السؤال هو الأكثر حساسية في ملف سرار.

فالبلديات لا ترفض، وفق ما أعلنته، إيجاد حلول لأزمة النفايات في المناطق الأخرى، لكنها تربط أي استقبال إضافي بمعالجة الأضرار القائمة أولًا، وبتشغيل منظومة المعالجة بصورة سليمة.

ومن الناحية الإدارية والبيئية، تبرز أهمية أن تكون أي خطوة مستقبلية مبنية على معطيات واضحة حول القدرة الاستيعابية للموقع، وطبيعة النفايات، وآلية الفرز والمعالجة، وشروط التشغيل والرقابة البيئية والصحية.

وبذلك لا يعود النقاش: «هل تستقبل سرار النفايات أم لا؟»، بل يصبح: وفق أي شروط؟ وبأي قدرة؟ ولمدة كم؟ ومن يتحمل مسؤولية الرقابة والنتائج؟.

محافظ عكار: المطلوب حل جذري ومستدام

محافظ عكار عماد لبكي شدد خلال الاجتماع على ضرورة الوصول إلى حل جذري ومستدام لأزمة النفايات، ومعالجة تداعياتها البيئية والصحية، بما يحفظ حقوق البلدات المتضررة ويمنع استمرار معاناة الأهالي.

أما وزير الداخلية والبلديات، فطرح واقع الأزمات التي يمر بها البلد، مؤكدًا أهمية التعاون والتنسيق للوصول إلى حلول عملية ومستدامة.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة، لأن نجاح أي خطة للنفايات يتطلب توافقًا بين السلطة المركزية والبلديات والجهات الفنية، لا سيما عندما تكون المنطقة المعنية قد راكمت أضرارًا ومطالب على مدى سنوات طويلة.

عكار ليست مكبًا… وسرار ليست أرضًا بلا أهل

الرسالة الأكثر وضوحًا التي خرجت من الاجتماع جاءت على لسان العلمان، الذي قال إن «عكار ليست مكبًا لنفايات المناطق الأخرى، والقرى المحيطة بسرار ليست أرضًا بلا أهل»، مؤكدًا أن رفض الضرر عن طرابلس يجب ألا يعني نقله إلى عكار.

هذه المعادلة تختصر جوهر الأزمة: الدولة مطالبة بحماية حق الجميع في بيئة سليمة، لا المفاضلة بين منطقة وأخرى عند معالجة أزمة النفايات.

من الاجتماع إلى الالتزام

انتهى اللقاء بالتأكيد على استمرار التواصل بين وزارة الداخلية والبلديات والبلديات المعنية ومتابعة المطالب المطروحة.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الاجتماع. فأهالي المنطقة، وفق ما عبّر عنه الوفد، لا يريدون مزيدًا من الوعود، بل يريدون جدولًا زمنيًا، تشغيلًا فعليًا، معالجة للأضرار، ومشاريع إنمائية ملموسة.

وهنا تصبح مسؤولية الدولة مزدوجة: معالجة أزمة النفايات الحالية، وفي الوقت نفسه معالجة إرث بيئي عمره 33 عامًا.

ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل سرار: هل يكون اجتماع وزارة الداخلية مع بلديات محيط المكب نقطة تحوّل نحو حل مستدام وعادل، أم أن أزمة النفايات ستعيد إنتاج نفسها في سرار تحت عنوان جديد؟.

فالاختبار هذه المرة ليس في عقد اجتماع جديد، بل في تحويل المطالب والوعود إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وجدول زمني معلن، ورقابة فعلية، ونتائج يمكن لأهالي عكار لمسها على الأرض.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الإنمائي والبيئي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا