ضهر البيدر: هل بدأ الإصلاح فعلاً أم أن الطريق إلى الإنجاز ما زال ناقصًا؟


محليات – ميديا برس ليبانون _ في ضهر البيدر، لا تختصر الحكاية اليوم بإطلاق أعمال تأهيل 17 كيلومترًا من طريق دولي طال انتظاره، ولا بحفل رسمي جمع وزارة الأشغال والنواب والبلديات والمرجعيات المحلية. فالمشروع يفتح، بالتوازي مع ورشة التأهيل، سؤالًا أوسع حول مفهوم الإنجاز الإنمائي نفسه: هل يكفي إعادة تأهيل الطريق، أم أن المطلوب إعادة بناء منظومة السلامة والخدمات المرتبطة به كاملة؟.

السؤال يكتسب حساسية إضافية لأن طريق ضهر البيدر ليس طريقًا محليًا عابرًا، بل أحد أهم محاور الربط بين بيروت والبقاع، ويستقبل يوميًا حركة مركبات وشاحنات ونقل عام، ما يجعل أي خلل في بنيته أو شروط السلامة فيه ذا انعكاس مباشر على الاقتصاد وحركة المواطنين.

من صرخة البلديات إلى طاولة القرار

مشروع التأهيل لم يولد من فراغ. فقد سبق إطلاقه تحرك بلدي ومحلي وضع طريق ضهر البيدر في واجهة المطالب الإنمائية، وصولًا إلى زيارة رؤساء بلديات إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون برفقة النائب ميشال ضاهر، للمطالبة بإعادة تأهيل الطريق.

وبذلك، فإن ما يجري اليوم يمكن قراءته باعتباره نتيجة مسار بدأ من ضغط محلي وبلدي وانتقل إلى المستوى الرئاسي والحكومي، قبل أن يصل إلى وزارة الأشغال والتنفيذ على الأرض.

وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني أعلن بدء تأهيل 17 كيلومترًا، مؤكدًا أن المشروع يأتي بعد سنوات طويلة من الانتظار، وشكر رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام على دعمهما للمشروع ولسائر مشاريع الوزارة.

لكن الانتقال من قرار سياسي إلى ورشة تنفيذية يضع المشروع أمام مرحلة أكثر أهمية: كيف ستُنفّذ الأعمال؟ وما هي المعايير التي ستُعتمد؟ وكيف ستتم مراقبة التنفيذ؟.

رسامني: تحويل الأولويات إلى إنجازات

رسامني قدّم المشروع في إطار توجه الوزارة لتحويل الأولويات إلى مشاريع ملموسة، مؤكدًا أن الطريق يشكل أحد أبرز الشرايين الحيوية في لبنان.

وهنا تبرز أهمية سياسية–إنمائية للمشروع تتجاوز حدود الطريق نفسه. فالإنفاق على البنية التحتية في لبنان لم يعد مسألة خدماتية فقط، بل بات مرتبطًا بشكل مباشر بثقة المواطن بالدولة وقدرتها على تحويل المطالب المتراكمة إلى مشاريع قابلة للقياس والمحاسبة.

ومن هذه الزاوية، فإن طريق ضهر البيدر يشكل اختبارًا عمليًا لمدى قدرة الدولة على تنفيذ مشروع حيوي بعد سنوات من التأخير، ضمن معايير واضحة وشفافة.

لكن ماذا عن السلامة؟

في المقابل، رفع محمد شفيق حمود سقف الاعتراض على طريقة تقديم المشروع، معتبرًا أن الطريق، وفق توصيفه، لا يزال يفتقد إلى عناصر أساسية من السلامة المرورية.

وسأل حمود الوزير: «كيف تحتفلون بطريق بلا إشارات، ولا عيون قطط عاكسة، ولا فاصل بين مسرَبَي الذهاب والإياب، وبلا الحد الأدنى من شروط السلامة؟».

كما قال: «ظننا أنكم تحتفلون بنفق بيروت – البقاع، لا بطريق لا يليق حتى بالطرقات الزراعية»، منتقدًا مشاركة الوزير في الاحتفال، ومعتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون لاستكمال شروط السلامة قبل الاحتفاء بالإنجاز.

هذه الملاحظات، بصرف النظر عن تقييمها الفني، تطرح سؤالًا مشروعًا على أي مشروع طرقات: ما الذي يدخل فعليًا في تعريف “التأهيل”؟.

هل هو تحسين سطح الطريق فقط؟ أم يشمل منظومة متكاملة من التخطيط المروري، والإشارات، والعواكس، والفواصل، والإنارة حيث تلزم، ومعالجة النقاط الخطرة، وتصريف مياه الأمطار، وحماية مستخدمي الطريق؟.

بين الإنجاز السياسي والإنجاز القابل للقياس

هنا تحديدًا تتقاطع السياسة مع الإنماء. فالاحتفال بأي مشروع عام هو في حد ذاته رسالة سياسية تقول إن الدولة تتحرك. لكن القيمة الفعلية للمشروع لا تُحسم في يوم إطلاقه، بل عند انتهاء الأشغال وبدء المواطنين باستخدام الطريق وفق شروط أفضل وأكثر أمانًا.

ومن هنا، فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون عدد الكيلومترات التي جرى الإعلان عن تأهيلها فحسب، بل أيضًا نوعية الأعمال المنفذة، ومدى الالتزام بدفتر الشروط، والكلفة، والمدة الزمنية، وآليات الرقابة، والنتيجة النهائية على السلامة المرورية.

وهذه العناصر تحديدًا هي التي تسمح بتحويل المشروع من إنجاز معلن إلى إنجاز يمكن للمواطن تقييمه ومحاسبة المسؤولين عنه.

حمود يوسّع دائرة الاعتراض

حمود لم يحصر مداخلته بطريق ضهر البيدر، بل ربطها بملفات إنمائية وبيئية أخرى، متحدثًا عن كهرباء زحلة، وتلوث نهر الليطاني، وتراكم النفايات، إضافة إلى ملف الطرقات الآمنة.

كما انتقل إلى مسألة التمثيل السياسي، معتبرًا أن الوصول إلى موقع سياسي لا يمنح، برأيه، حق التحدث باسم المواطنين من دون متابعة فعلية لحقوقهم.

وبذلك يأخذ الاعتراض بعدًا سياسيًا أوسع: هل يتحول الضغط المحلي على الدولة إلى آلية متابعة ومساءلة، أم يبقى مرتبطًا بالمناسبات والاحتفالات وإطلاق المشاريع؟.

ضهر البيدر كاختبار للدولة

في النهاية، تبدو معادلة ضهر البيدر أكبر من 17 كيلومترًا. فالمشروع يجمع بين مطالبة بلدية ومحلية، قرار سياسي، تمويل عام، وزارة تنفيذية، ومصلحة مباشرة لعشرات آلاف المواطنين ومستخدمي الطريق.

وإذا كانت ورشة التأهيل قد بدأت، فإن المرحلة الأهم تبدأ الآن: مراقبة التنفيذ، احترام المعايير، معالجة مكامن الخطر، وإعلان النتائج بشفافية.

أما السؤال الذي سيبقى مفتوحًا حتى انتهاء الأعمال فهو: هل يتحول ضهر البيدر من طريق طال انتظاره إلى نموذج لإعادة بناء البنية التحتية وفق معايير الدولة الحديثة، أم يبقى الإنجاز محصورًا في إعادة تأهيل الطريق فيما تظل منظومة السلامة والمراقبة والمحاسبة بحاجة إلى استكمال؟.

الجواب لن تحسمه الكلمات في حفل التدشين، بل الطريق نفسه عندما يصبح المشروع واقعًا مكتمل العناصر أمام المواطن.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي – الإنمائي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا