من الخدمة إلى الحق: هل يبدأ لبنان إصلاح منظومة الإعاقة من روما؟
حنين السيد تبحث في روما مع أليساندرا لوكاتيللي الانتقال من التشريعات إلى التطبيق… ومشروع لبناني–إيطالي يعيد رسم مسار تقييم الإعاقة والخدمات والعمل والاستقلالية
دوليات – ميديا برس ليبانون _ في ملف طالما بقي في لبنان موزعاً بين الخدمات الاجتماعية والصحية والتربوية والمساعدات، تفتح الشراكة اللبنانية–الإيطالية في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة نقاشاً يتجاوز حدود التعاون الوزاري التقليدي: هل يستطيع لبنان الانتقال من إدارة الإعاقة كحالة تحتاج إلى خدمة، إلى التعامل معها كحق يحتاج إلى منظومة دولة متكاملة؟.
هذا السؤال حضر في روما خلال لقاء وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد وزيرة شؤون الإعاقة في الحكومة الإيطالية أليساندرا لوكاتيللي، حيث تركز البحث على تطوير الشراكة بين البلدين، والانتقال من مرحلة إعداد الأطر والسياسات إلى اختبارها وتطبيقها وتوسيعها تدريجياً على المستوى الوطني.
واللافت أن جوهر المشروع لا يتمثل في إنشاء خدمة إضافية، بل في إعادة بناء المسار الذي يبدأ من اكتشاف الإعاقة وتقييمها، ولا ينتهي عند إصدار الاعتراف بها، بل يستمر نحو التعليم والصحة والخدمات والعمل والمشاركة الاجتماعية والاستقلالية.
من «الملف الطبي» إلى الإنسان
أحد أبرز التحولات التي يحملها المشروع هو محاولة الانتقال من النموذج الطبي التقليدي في تقييم الإعاقة إلى مقاربة أكثر شمولاً تتمحور حول الشخص وقدراته واحتياجاته ومدى مشاركته في المجتمع.
وهنا يأتي الاعتماد على التصنيف الدولي لتأدية الوظائف والعجز والصحة (ICF)، بما يسمح بالنظر إلى الإعاقة من زاوية أوسع من التشخيص الطبي وحده.
المسألة تبدو تقنية، لكنها في الواقع ذات أثر مباشر على حياة المواطن.
فطريقة تعريف الإعاقة وتقييمها تحدد، عملياً، من يحصل على الخدمة، وما الخدمة التي يحصل عليها، وأين يحصل عليها، ومن يتابع حالته، وكيف تنتقل المعلومات بين المؤسسات.
ومن هنا، فإن إصلاح نظام التقييم ليس مجرد تعديل في الاستمارات أو الإجراءات، بل يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والدولة.
ثلاث وزارات… ومسار واحد
المشروع الممول من الحكومة الإيطالية عبر الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي AICS يقوم على شراكة تجمع وزارات الشؤون الاجتماعية والصحة العامة والتربية والتعليم العالي، إلى جانب خبرات ومؤسسات إيطالية متخصصة.
وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط الضعف التقليدية في إدارة الملفات الاجتماعية:
هل تستطيع الدولة أن تجعل المواطن يتعامل مع منظومة واحدة بدلاً من أن ينتقل هو بين وزارات ومؤسسات متعددة؟
فالطفل الذي يحتاج إلى كشف مبكر قد يكون مرتبطاً بالصحة، بينما يحتاج إلى دعم تربوي، وتقييم اجتماعي، وخدمات تأهيلية، وربما إلى دعم أسري واقتصادي.
أما في النموذج المتكامل، فالمطلوب أن تتحول هذه الخدمات من جزر منفصلة إلى مسار واحد لإدارة الحالة.
وهذا ما يتضمنه المشروع من تطوير آليات الإحالة، وإدارة الحالات، وتبادل المعلومات والتنسيق بين الوزارات الثلاث.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المشروع التقني
وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد وضعت الإصبع على نقطة أساسية عندما أكدت أن جزءاً مهماً من العمل التقني أُنجز، وأن الأولوية باتت للانتقال من تصميم النموذج إلى اختباره وتطبيقه وتوسيعه تدريجياً.
وهنا تبدأ المرحلة الأكثر صعوبة.
فلبنان لا يحتاج إلى نموذج جديد على الورق فقط.
السؤال هو: هل تستطيع المؤسسات العامة تطبيقه؟
وهل تمتلك الوزارات الموارد البشرية والتقنية والمالية اللازمة؟
وهل تستطيع الفرق المتعددة الاختصاصات العمل وفق آلية موحدة؟
ومن سيموّل التوسع عندما ينتقل المشروع من مرحلة التجربة إلى مرحلة التطبيق الوطني؟
وهل يصبح النموذج جزءاً دائماً من الإدارة اللبنانية، أم يبقى مرتبطاً بتمويل خارجي ينتهي بانتهاء المشروع؟
هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من أهمية التعاون، بل هي تحديد لمعيار نجاحه.
«مشروع الحياة»… ماذا يمكن أن يتعلم لبنان من إيطاليا؟
عرضت الوزيرة الإيطالية أليساندرا لوكاتيللي تجربة بلادها، ولا سيما مقاربة «مشروع الحياة» – Progetto di Vita، التي تضع الشخص ذي الإعاقة في مركز التخطيط للخدمات والدعم.
وتقوم الفكرة على النظر إلى حياة الشخص ككل، وليس إلى الإعاقة باعتبارها ملفاً صحياً منفصلاً: التعليم، العمل، الصحة، المشاركة الاجتماعية، الحياة اليومية والاستقلالية.
لكن نقل أي تجربة دولية إلى لبنان لا يمكن أن يكون عملية نسخ حرفي.
فالاختبار الحقيقي هو: ما الذي يمكن تكييفه مع المؤسسات والموارد والواقع الاجتماعي والاقتصادي اللبناني؟
وهنا تبدو مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة والمنظمات التي تمثلهم عنصراً أساسياً، لا تفصيلاً بروتوكولياً.
فمن الصعب بناء سياسة عامة فعالة حول الأشخاص ذوي الإعاقة من دون أن يكونوا جزءاً من تصميم هذه السياسة وتقييم نتائجها.
من المساعدة إلى الاستقلال الاقتصادي
التحول الأبرز الآخر في النقاش هو إخراج الحماية الاجتماعية من إطار المساعدة وحدها.
فبحسب المقاربة التي طرحتها السيد، لا ينبغي أن تنحصر الحماية في الخدمات والمساعدات، بل يجب أن تفتح طريقاً نحو العمل والاستقلالية الاقتصادية.
وهنا يدخل القطاع الخاص للمرة الأولى كجزء أساسي من المعادلة.
التدريب وتنمية المهارات، فرص العمل، ريادة الأعمال، وربط الأشخاص ذوي الإعاقة بسوق العمل يمكن أن يحولوا السياسة الاجتماعية من آلية لتعويض العجز إلى وسيلة لتعزيز القدرة على المشاركة والإنتاج.
لكن ذلك يحتاج إلى أكثر من برامج تدريب.
يحتاج إلى سوق عمل مستعد للاستيعاب، وإلى بيئة عمل مهيأة، وإلى سياسات توظيف، وإلى إزالة الحواجز أمام التنقل والوصول والتعليم والتدريب، وإلى متابعة مستمرة لنتائج البرامج.
السؤال المالي: من يدفع كلفة الاستدامة؟.
التعاون الدولي يستطيع تمويل التطوير التقني وبناء القدرات والتجارب النموذجية.
لكن عندما يصبح المطلوب تعميم النموذج على الأراضي اللبنانية كافة، فإن السؤال ينتقل إلى الدولة اللبنانية: من يمول؟، وما هي الكلفة السنوية؟، هل توجد اعتمادات دائمة في الموازنة؟، هل تستطيع الوزارات الثلاث تحمل كلفة الكوادر والأنظمة الرقمية والخدمات والإحالات؟، وهل ستكون البلديات والقطاع الخاص والمنظمات المتخصصة جزءاً من منظومة التمويل والتنفيذ؟.
هذه الأسئلة ستحدد عملياً ما إذا كان المشروع إصلاحاً مؤسساتياً طويل الأمد أم تجربة ناجحة محدودة النطاق.
من روما إلى لبنان… هل تتغير فلسفة الدولة؟
الأهمية السياسية–الاجتماعية لهذا التعاون لا تكمن فقط في العلاقات اللبنانية–الإيطالية.
الأهم أنه يفتح نقاشاً حول فلسفة الدولة في التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة.
الدولة التي تنظر إلى المواطن من خلال «الخدمة» تسأل: ما المساعدة التي يحتاج إليها؟
أما الدولة التي تنطلق من الحقوق فتسأل: ما الذي يمنع هذا المواطن من الوصول إلى التعليم والعمل والصحة والمشاركة والاستقلالية؟.
والفارق بين السؤالين كبير.
الأول ينتج خدمات.
أما الثاني فيفترض إصلاحاً في المؤسسات والقوانين والإدارة والبنية التحتية وسوق العمل ونظم الحماية الاجتماعية.
الامتحان ليس في روما… بل في أول حالة لبنانية
الاتفاق على متابعة التواصل الوزاري والتقني وتوسيع التعاون يشكل خطوة مهمة، لكن معيار النجاح لن يكون في عدد الاجتماعات أو الاتفاقات.
سيظهر في مكان آخر: في أول شخص ذي إعاقة يدخل النظام الجديد، وفي قدرته على الانتقال من الكشف والتقييم إلى الخدمة، ومن الخدمة إلى التعليم أو التدريب، ومنهما إلى العمل والاستقلالية والمشاركة الاجتماعية.
عندها فقط يمكن القول إن الإصلاح انتقل من الورق إلى الواقع.
أما إذا بقيت الخدمات موزعة بين مؤسسات متعددة، والبيانات غير مترابطة، والإحالات بطيئة، والتمويل غير مستدام، وفرص العمل محدودة، فإن تغيير المصطلحات والنماذج لن يكون كافياً.
فرصة…
الشراكة اللبنانية–الإيطالية تضع أمام لبنان فرصة لإعادة بناء مقاربة ملف الإعاقة على أساس الحقوق، والتنسيق، وإدارة الحالة، والاستقلالية، والإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
لكن الفرصة لا تتحول إلى إصلاح إلا إذا امتلكت الدولة اللبنانية القدرة على تحويل النموذج التجريبي إلى سياسة وطنية قابلة للاستمرار.
ويبقى السؤال الذي سيحسم نجاح التجربة: هل ينجح لبنان في بناء منظومة تجعل الشخص ذي الإعاقة مواطناً كامل الحقوق داخل مؤسسات الدولة، أم يبقى أسير نظام خدمات متفرقة يعتمد في استمراره على المشاريع والتمويل الخارجي؟.
الجواب لن تحدده البيانات المشتركة ولا الاجتماعات الوزارية. سيحدده التطبيق.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الإقليمي والدولي




اترك تعليقًا