النبيذ اللبناني في صدارة اللوائح… هل تتحول الكرمة إلى سياسة اقتصادية متكاملة؟


من المزارع إلى المطعم… ومن الزجاجة إلى الأسواق الخارجية: شراكة بين الزراعة والصناعة والسياحة والضيافة لإعادة وضع النبيذ اللبناني في قلب الدورة الاقتصادية


محليات – ميديا برس ليبانون _ لم يعد النقاش حول النبيذ اللبناني محصورًا في جودة المنتج أو قدرته على المنافسة في الأسواق الخارجية. فالمؤتمر الذي عقده المعهد الوطني للكرمة والنبيذ تحت عنوان «دعمًا للنبيذ اللبناني»، وانتهى بتوقيع مذكرة تعاون مع نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان، فتح ملفًا أوسع: كيف يمكن تحويل النبيذ من منتج زراعي–صناعي إلى سلسلة قيمة وطنية متكاملة، تستفيد منها الأرض والمزارع والمصنّع والمطعم والسياحة والتصدير؟.

المعادلة التي طرحت في المؤتمر تبدو واضحة: إذا كان المنتج اللبناني ينافس في الخارج، فإن تعزيز موقعه في السوق المحلية يمكن أن يشكل إحدى أدوات حماية القطاع، شرط ألا يتحول الأمر إلى مجرد شعار تسويقي، بل إلى سياسة متكاملة تعالج الكلفة والجودة والتسعير والتوزيع والترويج والأسواق الخارجية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الخطوة الجديدة.

من حقل الكرمة تبدأ القصة

رئيس مجلس إدارة المعهد الوطني للكرمة والنبيذ ظافر شاوي وضع المشكلة في إطار اقتصادي مباشر: المنتج اللبناني يدخل المنافسة في سوق مفتوحة، فيما يتحمل منفردًا أعباء الأرض والمياه والطاقة والعمالة والنقل والضرائب ومستلزمات الإنتاج.
ولا تتوقف الضغوط عند هذا الحد.

فصناعة النبيذ نفسها تحتاج إلى عدد من المدخلات المستوردة، من القناني والفلّين إلى المعدات ومواد التغليف، ما يعني أن ارتفاع كلفة الإنتاج لا يرتبط بالعنب وحده، بل بسلسلة واسعة من الأكلاف التي تنعكس في النهاية على سعر الزجاجة وقدرتها على المنافسة.

وبالتالي، فإن السؤال الاقتصادي لا يصبح فقط: هل النبيذ اللبناني جيد؟
بل أيضًا: هل البيئة الاقتصادية اللبنانية تسمح لهذا المنتج الجيد بأن ينافس بكلفة عادلة؟
وهذه نقطة جوهرية، لأن حماية النبيذ اللبناني لا يمكن أن تبدأ من المطعم فقط؛ بل من المزرعة، ومن كلفة الإنتاج، ومن قدرة المزارع على الاستمرار في زراعة الكرمة.

المطاعم والفنادق… الحلقة الأقرب إلى المستهلك

من هنا جاءت دعوة نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان طوني الرامي إلى وضع النبيذ اللبناني في صدارة لوائح النبيذ في المطاعم والمؤسسات السياحية.
الفكرة تتجاوز تغيير ترتيب الأسماء على قائمة المشروبات.

فالمطعم والفندق والمرفق السياحي يشكلون عمليًا إحدى أهم نقاط التقاء المنتج اللبناني بالمستهلك المحلي والسائح. وكلما أصبح النبيذ اللبناني حاضرًا بصورة أوضح، ازدادت فرص التعريف بالمنتج ومناطقه وأنواعه وقصته الإنتاجية.
لكن نجاح هذه الخطوة يبقى مرتبطًا بعامل أساسي: السعر.

فوجود المنتج على اللائحة لا يعني بالضرورة اختياره من المستهلك. ولذلك شدد وزير الزراعة نزار هاني على أن وضع النبيذ اللبناني في صدارة اللوائح لا يكفي وحده، بل يجب أن يكون المنتج جذابًا من حيث الجودة والسعر والتنوع، وأن تكون هناك سياسة تسعير متوازنة تحفظ حقوق المزارع والمنتج وتشجع المستهلك في الوقت نفسه.
وهنا تنتقل القضية من الترويج إلى الاقتصاد.

هاني: النبيذ سلسلة قيمة لا زجاجة على رف

وزير الزراعة الدكتور نزار هاني قدّم القطاع باعتباره نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه الزراعة اللبنانية عندما تتكامل مع الصناعة والسياحة والتسويق والبحث العلمي.

فالسلسلة تبدأ من الأرض وزراعة الكرمة، ثم تنتقل إلى التصنيع والتوضيب والنقل والتسويق، قبل أن تصل إلى المطاعم والسياحة والتصدير والأسواق الخارجية.

وقال هاني إن دعم النبيذ اللبناني يعني دعم مزارعي الكرمة والأراضي الزراعية والعمال والمصنعين والمؤسسات السياحية، معتبرًا أن كل زجاجة تختصر سلسلة من العمل والمعرفة والاستثمار.

هذه المقاربة تضع النبيذ ضمن مفهوم أوسع هو القيمة المضافة الزراعية.

فبدل بيع المحصول مادة أولية، يتحول العنب إلى منتج مصنّع يحمل علامة وهوية وقيمة تسويقية، ويمكن أن يدخل في قطاعات أخرى مثل السياحة الريفية والغذائية والتجارب السياحية المرتبطة بالكروم ومناطق الإنتاج.

وهنا يصبح النبيذ جزءًا من الاقتصاد الريفي، وليس مجرد صناعة غذائية.

من «اشترِ لبناني» إلى إبقاء القيمة داخل الاقتصاد

مدير عام الصناعة عادل الشاب، ممثلًا وزير الصناعة، ربط دعم النبيذ بمبدأ «اشترِ لبناني ليبقى القرار لبنانيًا».

والفكرة الاقتصادية خلف هذا الشعار تتصل بالدورة الاقتصادية الداخلية: كلما زاد الاعتماد على المنتجات المحلية، اتسعت مساحة القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد، من المزارع إلى المصنع والعامل والموزع والمؤسسة السياحية.

لكن تطبيق هذه المعادلة يتطلب أكثر من دعوة أخلاقية إلى شراء المنتج المحلي.

فالمنتج اللبناني يحتاج إلى قدرة تنافسية فعلية، وإلى جودة مستقرة، وتسعير قابل للتسويق، وتوزيع فعال، وهوية تجارية واضحة، وقدرة على الوصول إلى المستهلك اللبناني والأجنبي.

السياحة تدخل على خط الكرمة

وزيرة السياحة لورا الخازن لحود أعلنت التزامها بإصدار تعميم داعم لحضور النبيذ اللبناني في لوائح المطاعم والمؤسسات السياحية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لأن النبيذ يمكن أن يتحول إلى جزء من تجربة السائح في لبنان، لا سيما في المناطق التي ترتبط تاريخيًا بزراعة الكرمة وإنتاج النبيذ.

فالزجاجة يمكن أن تحمل معها اسم المنطقة، والمزرعة، والكرم، والمناخ، والتقاليد، وطريقة التصنيع.

ومن هنا يمكن أن تتقاطع صناعة النبيذ مع السياحة الريفية والغذائية، لتتحول الكرمة إلى عنصر من عناصر الجذب السياحي والاقتصادي للمناطق المنتجة.

المعهد… من مرجعية تنظيمية إلى منصة للقطاع

مدير عام الزراعة المهندس لويس لحود شدد على الدور المحوري للمعهد الوطني للكرمة والنبيذ، باعتباره مرجعية وطنية لتنظيم القطاع وتطويره وتمثيله.
وهذه النقطة أساسية في أي سياسة مستدامة.
فالقطاع الذي يريد دخول أسواق جديدة يحتاج إلى مرجعية قادرة على التنسيق بين المزارعين والمنتجين والجهات الرسمية، ومتابعة الجودة والمواصفات، ودعم البحث والتطوير، وربط الإنتاج بالأسواق.

كما أن وجود المرجعية المؤسسية يتيح الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى سياسة قطاعية أكثر انتظامًا.

مذكرة التعاون… الاختبار يبدأ بعد المؤتمر

ربما تكمن أهمية المؤتمر الحقيقية في ما سيحدث بعد انتهائه.
فمذكرة التعاون الموقعة بين المعهد الوطني للكرمة والنبيذ ونقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري تنقل الملف من مستوى الخطاب إلى مستوى الشراكة المؤسساتية.
لكن التحدي هو التنفيذ.
هل ستتحول المذكرة إلى برامج ترويجية مشتركة؟
هل ستزداد فعليًا حصة النبيذ اللبناني في المطاعم والفنادق؟
هل سيستفيد المزارع من اتساع السوق؟
هل يمكن الوصول إلى تسعير يوازن بين حقوق المنتج وقدرة المستهلك؟
وهل تستطيع الوزارات المعنية تحويل الدعم السياسي والإداري إلى أدوات عملية لتحسين تنافسية القطاع؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت المبادرة مجرد حملة دعم، أم بداية سياسة وطنية طويلة الأمد.

من «دعم المنتج» إلى حماية سلسلة كاملة

النبيذ اللبناني يقدم نموذجًا واضحًا لمشكلة أوسع في الاقتصاد الزراعي اللبناني: كيف ينتقل لبنان من إنتاج المواد الأولية إلى إنتاج القيمة المضافة؟

فالكرمة تحتاج إلى أرض ومياه وعمالة وخبرة. والمصنع يحتاج إلى طاقة ومعدات ومواد تعبئة. والمنتج يحتاج إلى أسواق وتوزيع وتسويق. والسائح يحتاج إلى تجربة متكاملة. والمصدر يحتاج إلى جودة ومواصفات وقدرة تنافسية.

وبالتالي، فإن أي خلل في حلقة من هذه الحلقات يمكن أن ينعكس على السلسلة بأكملها.

ولهذا فإن دعم النبيذ اللبناني لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الزجاجات التي تباع في السوق المحلية، بل أيضًا بقدرة القطاع على الحفاظ على المزارع، توسيع الإنتاج النوعي، خلق فرص العمل، زيادة القيمة المضافة، فتح أسواق جديدة وتعزيز صورة المنتج اللبناني في الخارج.

هل تتحول الزجاجة إلى سياسة؟

المؤتمر أطلق رسالة واضحة: النبيذ اللبناني ليس مجرد سلعة توضع على رف أو قائمة مطعم، بل نتاج سلسلة تبدأ من الأرض وتنتهي في السوق.

لكن نجاح هذه الرؤية يحتاج إلى استمرارية.

فالقرار بوضع النبيذ اللبناني في صدارة اللوائح يمكن أن يعطي المنتج مساحة أكبر، لكنه لا يعالج وحده كلفة الطاقة والمياه والنقل والمواد المستوردة ولا يفتح تلقائيًا الأسواق الخارجية.

المطلوب هو أن تتكامل الزراعة والصناعة والسياحة والضيافة والتصدير ضمن سياسة واحدة، يكون فيها المزارع الحلقة الأولى، والمصنّع شريكًا، والمطعم منصة، والسائح مستهلكًا وسفيرًا، والتصدير هدفًا، والدولة جهة تنظيم ودعم وتسهيل.

عندها فقط يمكن أن تتحول عبارة «دعم النبيذ اللبناني» من حملة ظرفية إلى مشروع اقتصادي متكامل.

فالقضية في نهاية المطاف ليست ماذا يوجد على لائحة النبيذ فحسب، بل ماذا يبقى في الأرض، وماذا يعود إلى المزارع، وماذا يضاف إلى الاقتصاد اللبناني، وماذا يصل باسم لبنان إلى الأسواق العالمية.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الاقتصادي والزراعي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا