بعد اليونيفيل… من يملأ الفراغ في الجنوب؟


عون أمام المستشار الدفاعي البريطاني: لبنان يقبل قوة بديلة لتنفيذ القرار 1701 ودعم الجيش… فهل تتجه الساحة الجنوبية إلى مرحلة دولية جديدة؟


دوليات – ميديا برس ليبانون _ لم يعد النقاش حول مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» مسألة تقنية مرتبطة بتمديد مهمة أم بإنهائها فقط.
في قصر بعبدا، وضع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون المسألة في إطار أوسع: ماذا يحدث في الجنوب إذا تعذر التمديد؟ ومن يملأ الفراغ؟ وبأي تفويض قانوني؟ وتحت أي مرجعية؟.

خلال استقباله كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرين، أعلن عون أن لبنان يرحب بأي قوات بديلة لليونيفيل، إذا تعذر التمديد لها، على أن تواصل تنفيذ القرار 1701 وتدعم الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة جنوباً وصولاً إلى الحدود المعترف بها دولياً.

واللافت أن هذا الموقف ليس جديداً بالكامل؛ فقد أعلن عون في آب الماضي أن الخيار الأول للبنان هو التمديد لليونيفيل، أما في حال عدم التمديد فالمطلوب قوة دولية ذات إطار قانوني واضح، بحيث لا يحصل فراغ دولي في الجنوب.

لكن الجديد في لقاء بعبدا هو أن النقاش دخل بصورة أوضح إلى دائرة الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم بريطانيا.


السؤال الأول: هل البديل «يونيفيل جديدة» أم مهمة مختلفة؟

المسألة الجوهرية ليست فقط اسم القوة التي قد تأتي بعد اليونيفيل.

السؤال هو: هل نتحدث عن استمرار المهمة نفسها بصيغة جديدة، أم عن قوة دولية مختلفة في طبيعتها وتفويضها وآليات عملها؟.
فالقرار 1701 يشكل الإطار الدولي الأساسي للانتشار في الجنوب، بينما يرتبط عمل اليونيفيل بتفويض صادر عن مجلس الأمن.

لذلك فإن أي صيغة بديلة تحتاج إلى وضوح في مسائل أساسية:

– من يمنحها التفويض؟
– ما حدود مهمتها؟
– ما علاقتها بالجيش اللبناني؟
– ما قواعد عملها؟
– هل يقتصر دورها على المراقبة والدعم؟
– أم تمتلك صلاحيات ميدانية أوسع؟
– ومن يضمن استمرار الشرعية الدولية لأي انتشار جديد؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر حساسية كلما اقترب موعد إعادة رسم مستقبل الوجود الدولي في الجنوب.

والرئاسة اللبنانية سبق أن تحدثت عن إمكان استمرار وحدات من دول أوروبية موجودة أصلاً ضمن اليونيفيل بعد انسحابها، شرط الاتفاق على صيغة قانونية جديدة تتيح لها مساعدة الجيش والحفاظ على الاستقرار.


السؤال الثاني: ماذا يعني «الفراغ» الذي يحذر منه عون؟

بحسب موقف رئيس الجمهورية، فإن عدم التمديد لليونيفيل ومن دون تشكيل قوة دولية بديلة قد يؤدي إلى فراغ لا يخدم الأمن والاستقرار، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لقرى وبلدات جنوبية، وفق توصيف الرئاسة اللبنانية.

لكن كلمة «فراغ» هنا تحتاج إلى تفكيك.

هل المقصود فراغاً عسكرياً؟

أم فراغاً رقابياً؟

أم فراغاً سياسياً ودولياً؟

أم كل ذلك في آن واحد؟

فالجيش اللبناني، وفق الموقف الرسمي، هو القوة التي يفترض أن تتولى بسط سلطة الدولة جنوباً. والرئاسة سبق أن أكدت أن الجيش يقوم بدوره في منطقة جنوب الليطاني، وأن زيادة عديده وانتشاره تدريجياً يفترض أن يواكبا استكمال بسط سلطة الدولة حتى الحدود الدولية.

لكن استمرار وجود قوات دولية إلى جانب الجيش يطرح وظيفة مختلفة: المراقبة، التنسيق، نقل الصورة الميدانية إلى المجتمع الدولي، ودعم تطبيق القرار 1701.

وبالتالي فإن خروج القوة الدولية من دون بديل لا يعني بالضرورة غياب الجيش، لكنه يعني تغير البيئة الدولية التي يعمل ضمنها الجيش. وهنا تكمن أهمية النقاش.


بريطانيا: دعم للجيش… ولكن ماذا عن الجنوب؟

الأميرال ألغرين جدد خلال اللقاء دعم بريطانيا للبنان، ولا سيما للجيش، ونوّه بالمواقف الرسمية اللبنانية الأخيرة.

وهذا الموقف ينسجم مع مسار بريطاني مستمر في دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية؛ فقد سبق لألغرين أن زار لبنان والتقى الرئيس عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع وقائد الجيش، مؤكداً آنذاك استمرار الجهود الدبلوماسية البريطانية لمنع اتساع رقعة الصراع.

كما أن التعاون البريطاني مع الجيش يشمل مشاريع مراقبة حدودية وتدريباً ودعماً لوجستياً، بحسب بيانات الرئاسة اللبنانية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يمكن أن يتحول الدعم البريطاني للجيش إلى جزء من ترتيبات أوسع لمستقبل الحضور الدولي في الجنوب؟.
لا توجد في المعطيات المعلنة في لقاء اليوم إشارة إلى اتفاق بريطاني على قوة بديلة بعينها، ولذلك يجب التمييز بين الدعم البريطاني للبنان والجيش وبين أي قرار دولي مستقبلي يتعلق باليونيفيل أو بقوة بديلة.


السؤال الثالث: ماذا عن «اتفاق الإطار»؟

الرئيس عون عرض أمام المسؤول البريطاني موقف لبنان من التطورات الجنوبية، وقال إن إسرائيل، بحسب الرواية الرسمية اللبنانية، لا تطبق «اتفاق الإطار» الذي تم التوصل إليه في المفاوضات اللبنانية–الأميركية–الإسرائيلية في واشنطن.

وربط عون ذلك باستمرار عدم الالتزام بوقف إطلاق النار، وتدمير وجرف منازل، وعدم معالجة النقاط المختلف عليها على «الخط الأزرق»، وعدم إعادة الأسرى اللبنانيين.

وهنا ينبغي إبقاء المسألة في إطارها الدقيق: هذه مواقف واتهامات رسمية لبنانية ينبغي نسبها إلى الجهة التي أعلنتها، لا تحويلها تلقائياً إلى حقائق قضائية أو دولية محسومة.

وفي المقابل، سبق أن أعلنت الرئاسة اللبنانية في مناسبات متعددة أن لبنان ملتزم باتفاق وقف الأعمال العدائية، وأنها تطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة واستكمال انتشار الجيش.

وبالتالي فإن مستقبل الجنوب يرتبط بثلاثة مسارات متوازية: وقف الأعمال العدائية، انتشار الجيش، واستمرار آلية دولية للمراقبة والتنفيذ.


«الخط الأزرق»… الحدود التي لم تُحسم بالكامل

تصحيح النقاط المختلف عليها على الخط الأزرق ليس تفصيلاً تقنياً.

فأي خلاف على نقطة حدودية يمكن أن يتحول إلى عنصر توتر ميداني إذا لم تتم معالجته ضمن آلية واضحة.

ومن هنا تبرز أهمية وجود جهة دولية قادرة على المراقبة والتوثيق والتنسيق، بالتوازي مع دور الجيش اللبناني.

السؤال الذي يطرح نفسه:
إذا انتهت مهمة اليونيفيل، فمن يتولى الوظيفة نفسها؟
وإذا كانت الإجابة قوة دولية جديدة، فما هي آليتها؟
وإذا كانت الإجابة الجيش اللبناني وحده، فما هي الأدوات الدولية التي ستضمن استمرار المراقبة والتنفيذ؟.

من النبطية إلى الحدود: الدولة تريد تثبيت معادلة جديدة

أهمية الإشارة البريطانية إلى زيارة عون للنبطية تكمن في أن الرئيس حاول تقديم صورة مباشرة عن الواقع الميداني والأضرار التي لحقت بالقرى والبلدات، بالتوازي مع تأكيده أن الدولة مصممة على بسط سيادتها على كامل الحدود الجنوبية وإزالة المظاهر المسلحة من القرى التي ينتشر فيها الجيش.

هذه المعادلة تضع الجيش في قلب المرحلة المقبلة:
جيش لبناني ينتشر، دولة تبسط سلطتها، وقوة دولية تراقب وتساند ضمن إطار قانوني.

لكن نجاحها يحتاج إلى عامل رابع:
التزام جميع الأطراف بالتفاهمات والقرارات التي تحكم الوضع جنوباً.

وهنا تحديداً تكمن الصعوبة السياسية والميدانية.


هل لبنان أمام إعادة تعريف للحضور الدولي في الجنوب؟

الحديث عن بديل لليونيفيل لا يعني تلقائياً أن قوة جديدة ستنشأ، ولا أن بريطانيا وافقت على صيغة محددة.

لكنه يكشف أن الدولة اللبنانية بدأت تتعامل مع احتمال تغير صيغة الحضور الدولي باعتباره ملفاً يجب التحضير له مسبقاً.

والرئاسة اللبنانية كانت قد أعلنت أن الخيار الأول هو تمديد مهمة اليونيفيل، لكنها في الوقت نفسه طرحت خياراً ثانياً يقوم على وجود قوة ذات إطار قانوني واضح في حال عدم التمديد.

وهذا يفتح الباب أمام أسئلة أكبر: هل يكون لبنان قادراً على الانتقال من مرحلة «اليونيفيل» إلى مرحلة جديدة من دون فراغ؟.
هل تتحول الدول الأوروبية التي تشارك حالياً في اليونيفيل إلى نواة لحضور دولي جديد؟.
هل يبقى القرار 1701 المرجعية المركزية لأي صيغة مقبلة؟.
وما حدود الدور الذي سيُطلب من الجيش اللبناني القيام به في المرحلة الانتقالية؟.
وهل يستطيع المجتمع الدولي تأمين غطاء سياسي ومالي ولوجستي كافٍ للجيش كي يتولى المهمة كاملة؟.

المعركة المقبلة قد تكون على «شكل الجنوب»

ما جرى في بعبدا لا يبدو مجرد لقاء بروتوكولي بين رئيس الجمهورية ومسؤول دفاعي بريطاني.

فالحديث انتقل من «هل تُمدد اليونيفيل؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً:

«ماذا بعد اليونيفيل؟»

والإجابة، وفق الموقف اللبناني المعلن، لا تقوم على الفراغ، بل على استمرار حضور دولي ضمن إطار قانوني، بالتوازي مع استكمال انتشار الجيش وبسط سلطة الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بريطانيا، فقد جددت دعمها للبنان والجيش، من دون أن يعني ذلك، في المعطيات المعلنة اليوم، إعلانها عن صيغة محددة للقوة البديلة.

وهنا يصبح الجنوب أمام اختبار ثلاثي:
هل تنجح الدبلوماسية في منع الفراغ؟
هل ينجح الجيش في استكمال الانتشار؟
وهل تتحول القرارات والتفاهمات الدولية إلى إجراءات ميدانية قابلة للقياس؟.

فالمرحلة المقبلة لن تحدد فقط مستقبل قوة دولية في لبنان، بل قد تحدد أيضاً شكل العلاقة بين الدولة اللبنانية، والجيش، والمجتمع الدولي، والواقع الميداني على الحدود الجنوبية.



إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي – الأمني – الإقليمي والدولي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا