هل يتحوّل البقاع من سهلٍ للإنتاج إلى منصةٍ للزراعة التنافسية؟
نزار هاني يربط الابتكار بجودة المحصول والتوضيب والتبريد والأسواق: من العنب إلى التوت والخس… معركة الزراعة اللبنانية تبدأ بعد الحصاد
تحقيقات – ميديا برس ليبانون _ أحمد موسى _ في البقاع، لم تعد معادلة الزراعة تختصر في سؤال: كم ينتج المزارع؟. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا ينتج؟ وبأي كلفة؟ وبأي مواصفات؟ وكيف يصل المحصول إلى السوق؟ وهل يستطيع الصمود أمام المنافسة الخارجية؟.
من هذه الزاوية يمكن قراءة جولة وزير الزراعة الدكتور نزار هاني في عدد من المشاريع الزراعية في البقاع، والتي شملت مركزًا لتوضيب المنتجات، وتجربتين إنتاجيتين في التوت والخس، قبل أن تختتم بلقاء مع مزارعي العنب ومصدّريه في عين زبدة.
فالجولة لم تكن مجرد زيارة لمشاريع زراعية متفرقة، بل عكست محاولة لربط حلقات تبدو منفصلة في القطاع الزراعي: الصنف، التربة، المياه، التكنولوجيا، الإنتاج، ما بعد الحصاد، التوضيب، التبريد، التسويق والتصدير.
وهنا تحديدًا تكمن المعركة الجديدة للزراعة اللبنانية.
من «زيادة الإنتاج» إلى «إنتاج ما يريده السوق»
في مركز توضيب MEDIGARDENS، اطّلع هاني على عمليات فرز المنتجات الزراعية وتوضيبها، ولا سيما العنب المخصص للتصدير.
والرسالة التي خرجت من هذه المحطة واضحة: المنتج الزراعي لا تنتهي قيمته عند خروجه من الأرض.
فثمرة العنب، مهما كانت جودتها عند القطاف، يمكن أن تفقد جزءًا من قيمتها إذا لم تُفرز بالشكل المناسب، أو لم تُحفظ ضمن شروط ملائمة، أو تأخرت في الوصول إلى وجهتها.
وهذا يعني أن سلسلة ما بعد الحصاد أصبحت جزءًا من الإنتاج نفسه.
فالمنافسة على الأسواق الخارجية لا تجري فقط بين مزارع لبناني ومزارع في بلد آخر، وإنما بين منظومتين كاملتين للإنتاج والتوضيب والنقل والتبريد والالتزام بالمواصفات.
ومن هنا يصبح الاستثمار في مراكز التوضيب والتبريد والفرز جزءًا من الاستثمار الزراعي، وليس خدمة ثانوية.
التوت… هل تكفي الزراعة الواعدة؟
في Berry Fruits Farm، اطّلع الوزير على تجربة لزراعة التوت البري تضم نحو 24 ألف شتلة، وما يرتبط بها من إمكانات إنتاج وتخزين.
لكن تجربة الزراعات الجديدة تطرح سؤالًا أكثر أهمية من حجم الإنتاج: هل كل محصول واعد هو بالضرورة محصول اقتصادي ناجح؟.
الجواب يتطلب دراسة سلسلة كاملة تبدأ من ملاءمة الصنف للبيئة المحلية، مرورًا بكلفة المياه والمدخلات والعمل، وصولًا إلى التخزين والتصنيع والتسويق.
وهذا ما شدد عليه هاني، حين ربط التوسع في الزراعات الواعدة بدراسة ملاءمتها الزراعية وكلفة إنتاجها ومتطلبات حفظها وتسويقها، فضلًا عن إمكان إدخالها في الصناعات الغذائية.
فالتنويع الزراعي لا يعني ببساطة إدخال أصناف جديدة إلى الحقول؛ بل يعني معرفة من سيشتريها، وبأي سعر، وضمن أي موسم، وكيف يمكن الحفاظ عليها بعد القطاف.
ثلاثة ملايين حبّة خس… عندما تدخل التكنولوجيا إلى الحقل
في مشروع Agri Fresh، ظهر نموذج مختلف للإنتاج الزراعي، يعتمد التكنولوجيا والابتكار، مع طاقة إنتاجية تبلغ نحو ثلاثة ملايين حبّة خس سنويًا، بحسب المعطيات المقدمة خلال الجولة.
أهمية هذا النموذج لا ترتبط بالرقم وحده، بل بالبحث عن إنتاج أكثر انتظامًا وكفاءة في استخدام الموارد وقابلية للالتزام بمواصفات السوق.
وهنا يبرز تحدٍ أساسي أمام الزراعة اللبنانية: المياه والمدخلات الزراعية لم تعد مجرد عناصر إنتاج، بل أصبحت عوامل تنافسية.
فكل متر مكعب من المياه، وكل وحدة من الأسمدة والمدخلات، وكل ساعة عمل، يجب أن تنعكس في جودة وإنتاجية وقيمة اقتصادية أعلى.
ولهذا قال هاني إن نجاح المشروع الزراعي لا يقاس بحجم المحصول وحده، بل بكفاءة استخدام المياه والمدخلات، واستقرار الجودة، والقدرة على الحد من الفاقد والوصول إلى المستهلك بالمواصفات المطلوبة.
العنب… الاختبار الحقيقي للقدرة التصديرية
إذا كان التوت والخس يمثلان نماذج للتنويع والابتكار، فإن العنب يبقى أحد الاختبارات الأساسية للزراعة التصديرية اللبنانية.
وخلال اللقاء مع المزارعين والمصدّرين في عين زبدة، انتقل النقاش من الحقل إلى السوق: الإنتاج، التصدير، التنسيق، المواصفات، والأسواق الجديدة.
وبحسب ما أعلنه هاني خلال اللقاء، يتصدر العنب الصادرات الزراعية اللبنانية ويصل إلى أكثر من 40 دولة.
وهذه المكانة، وفق مقاربة الوزارة، لا يمكن الحفاظ عليها بالاعتماد على الإنتاج وحده.
فكل سوق له شروطه، وكل مشترٍ يبحث عن مواصفات محددة، وأي خلل في الجودة أو سلامة المنتج أو التوضيب أو سلسلة التبريد يمكن أن ينعكس مباشرة على قدرة المنتج اللبناني على المنافسة.
لذلك فإن المعادلة الجديدة تصبح: المزارع ينتج وفق متطلبات السوق، والمصدّر يحافظ على المنتج، والدولة تساعد في تنظيم السلسلة وفتح الأسواق.
من المزرعة إلى السوق… الحلقة التي تحدد قيمة المحصول
تُظهر الجولة أن إحدى أكبر المشكلات التي تواجه القطاع الزراعي ليست بالضرورة في القدرة على الإنتاج، وإنما في الفجوة بين الإنتاج والسوق.
قد ينجح المزارع في إنتاج محصول جيد، لكنه يخسر جزءًا من قيمته بسبب سوء الفرز أو ضعف التخزين أو غياب التبريد أو تأخر النقل أو عدم معرفة المواصفات المطلوبة مسبقًا.
ولهذا فإن تحسين سلسلة القيمة الزراعية يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من التركيز على زيادة الكميات فقط.
فالهدف ليس أن ينتج لبنان أكثر فحسب، بل أن ينتج بمواصفات ثابتة، وبكلفة قابلة للمنافسة، وبقدرة على الوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب.
السعودية والخليج… السوق لا ينتظر
ربط الوزير خلال الجولة بين تطوير الإنتاج الزراعي وتوسيع الصادرات إلى أسواق الخليج، ولا سيما السوق السعودية، والاستفادة من الطريق البرية المتاحة.
لكن فتح السوق لا يعني بالضرورة ضمانه.
فالأسواق الخارجية تحتاج إلى انتظام في التوريد، واستقرار في الجودة، والالتزام بمتطلبات السلامة والمواصفات، فضلًا عن قدرة المصدر على تأمين الكميات المطلوبة في المواعيد المحددة.
ومن هنا، فإن تطوير الصادرات اللبنانية يحتاج إلى أكثر من جهود فتح الأسواق؛ يحتاج إلى قدرة مستمرة على تلبية السوق بعد فتحه.
وهذه مسؤولية مشتركة بين المزارع والمصدّر والجهات الرسمية.
لماذا يحتاج العنب إلى مؤتمر وطني؟
طرح اللقاء في عين زبدة فكرة تنظيم مؤتمر وطني للعنب ويوم وطني للعنب.
وقد تبدو الفكرة في ظاهرها رمزية، لكنها يمكن أن تكون ذات بعد اقتصادي إذا تحولت إلى منصة تجمع المزارعين والمصدرين والخبراء والوزارة والجهات المعنية حول قضايا القطاع الفعلية.
فالمطلوب ليس الاحتفال بالمحصول فقط، بل مناقشة أسئلة عملية: كيف يمكن خفض كلفة الإنتاج؟ كيف يمكن تحسين النوعية؟ ما الأسواق التي تحتاج إلى العنب اللبناني؟ ما مواصفات كل سوق؟ أين تتراجع القدرة التنافسية؟ وكيف يمكن تقليل الفاقد بعد القطاف؟.
عندها يصبح «اليوم الوطني للعنب» مناسبة اقتصادية وتخصصية، وليس مجرد حدث ترويجي.
البقاع أمام نموذج جديد؟
المشاريع التي زارها هاني تكشف تنوعًا في المقاربات الزراعية: مركز توضيب، زراعة توت، إنتاج خس يعتمد التكنولوجيا، ثم قطاع العنب الذي يرتبط بصورة مباشرة بالتصدير.
والمشترك بينها هو أن الأرض لم تعد وحدها مصدر القيمة.
القيمة تُبنى أيضًا في المختبر، وفي التكنولوجيا، وفي إدارة المياه، وفي الفرز، وفي التوضيب، وفي التبريد، وفي النقل، وفي معرفة السوق.
وهذا يضع الإرشاد الزراعي أمام دور جديد أيضًا.
فالإرشاد لم يعد مطلوبًا منه أن يجيب المزارع فقط عن كيفية الزراعة، بل أن يساعده على معرفة ماذا يزرع، ولماذا، ولأي سوق، وبأي مواصفات وكلفة.
هل تكفي المبادرات الفردية؟
تبقى المشكلة الأكبر في قابلية هذه النماذج للتوسع.
فوجود مشروع حديث أو مزرعة نموذجية لا يعني تلقائيًا أن القطاع بأكمله قادر على التحول بالسرعة نفسها.
الزراعة اللبنانية تضم أعدادًا كبيرة من المزارعين متفاوتي القدرات والإمكانات، ولذلك فإن نقل التكنولوجيا والمعرفة والوصول إلى التمويل والبنى التحتية وخدمات ما بعد الحصاد يبقى تحديًا أساسيًا.
وهنا تظهر أهمية دور الدولة في التنظيم والإرشاد ووضع المعايير وتوفير البيانات وتسهيل الوصول إلى الأسواق، من دون أن تتحول المبادرات الخاصة إلى بديل عن السياسات الزراعية العامة.
المعركة تبدأ قبل القطاف… ولا تنتهي عند الحدود
تربط جولة وزير الزراعة في البقاع بين ثلاث كلمات تبدو منفصلة لكنها في الواقع تشكل سلسلة واحدة: الابتكار – الجودة – السوق.
فالابتكار من دون سوق قد يتحول إلى استثمار مكلف، والإنتاج الكبير من دون جودة لا يصنع صادرات مستدامة، وفتح الأسواق من دون قدرة على تأمين المنتج بالمواصفات المطلوبة قد لا يؤدي إلى نتائج طويلة الأمد.
أما المعادلة الأكثر اكتمالًا فتبدأ من اختيار الصنف، وتمر بإدارة المياه والتربة والآفات، ثم تصل إلى القطاف والفرز والتوضيب والتبريد والنقل، وتنتهي عند المستهلك.
وهنا يمكن أن يكون التحدي الحقيقي أمام الزراعة اللبنانية في المرحلة المقبلة: ليس فقط كيف ننتج أكثر، بل كيف ننتج ما يحتاجه السوق، بالجودة التي يريدها، وبالكلفة التي تسمح للبنان بالمنافسة.
فإذا استطاع البقاع أن يربط بين التكنولوجيا والإرشاد والإنتاج وخدمات ما بعد الحصاد والتصدير، فإن السهل لن يبقى مجرد مساحة واسعة للإنتاج الزراعي، بل يمكن أن يتحول إلى حلقة أساسية في بناء زراعة لبنانية أكثر تنافسية وقابلية للنفاذ إلى الأسواق الخارجية.
اعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الزراعي والإنمائي










اترك تعليقًا