هل تستطيع الشراكة بين البلديات وأبناء البلدة أن تعوّض فجوات الخدمات؟
تجربة تربل في إنارة 500 نقطة بالطاقة الشمسية تفتح نقاشًا حول دور المغتربين والقطاع الخاص في التنمية المحلية
محليات – ميديا برس ليبانون _ في بلدٍ تتسع فيه الفجوة بين حاجات البلدات وقدرات البلديات المالية والتشغيلية، لم تعد الإنارة العامة مجرد خدمة بلدية تقليدية، بل تحولت إلى اختبار لقدرة السلطات المحلية على ابتكار حلول أقل كلفة وأكثر استدامة.
من هذه الزاوية، تبرز تجربة بلدية تربل برئاسة كابي فرج مع إطلاق مشروع إنارة شوارع البلدة بالطاقة الشمسية، والذي يشمل أكثر من 500 مصباح موزعة على الطرقات والأحياء، كحالة تستحق التوقف عندها، ليس فقط بسبب حجم المشروع، بل بسبب الطريقة التي جرى بها تمويله وتنفيذه.
فالمشروع لا يقوم على موازنة البلدية وحدها، بل على شراكة جمعت العمل البلدي بمبادرة من أحد أبناء البلدة، رجل الأعمال سليم عاصي، إلى جانب مساهمات وخبرات تقنية وإدارية من أشخاص وجهات أخرى، بما سمح بتسريع تنفيذ مشروع كانت البلدية تتطلع إلى إنجازه.
من الإنارة إلى معادلة تنموية أوسع
المسألة الأساسية التي تطرحها تجربة تربل ليست فقط: كم مصباحًا أُضيء؟
بل: كيف تستطيع البلديات تنفيذ مشاريع خدماتية عندما لا تكفي مواردها وحدها؟
إنارة أكثر من 500 نقطة بالطاقة الشمسية تعني عمليًا الانتقال من نموذج يعتمد بصورة أساسية على الطاقة التقليدية وكلفتها التشغيلية، إلى نموذج يستفيد من مصدر متجدد للطاقة، مع إمكان تخفيف الأعباء المرتبطة بالتشغيل على المدى الطويل.
لكن أهمية التجربة تتجاوز الجانب التقني.
فتركيب منظومة الألواح الشمسية فوق ملعب كرة السلة، بعد إنشاء سقف خاص للملعب، يعكس محاولة لاستثمار بنية قائمة وتحويلها إلى جزء من بنية تحتية تخدم هدفًا عامًا آخر.
وهنا تصبح الطاقة الشمسية أداة ضمن سياسة خدماتية محلية، لا مجرد تجهيزات منفصلة.
كابي فرج: البلدية في موقع التنسيق لا الانتظار
في رواية البلدية، كان مشروع الإنارة موجودًا ضمن أولوياتها، إلا أن مبادرة سليم عاصي ساهمت في تسريع إنجازه.
وهذا التفصيل يضع رئيس البلدية كابي فرج أمام نموذج مختلف للعمل البلدي: البلدية لا تنتظر دائمًا توفر التمويل الكامل من موازناتها، ولا تتخلى في المقابل عن دورها، بل تعمل على تحويل المبادرات الفردية إلى مشاريع ذات منفعة عامة.
ويبدو هذا الدور في متابعة المسار التقني للمشروع، وربطه بشبكة الكهرباء والمولد، وتأمين استمرارية التشغيل، إلى جانب التنسيق لإنجاز سقف ملعب كرة السلة والحصول على الموافقات المطلوبة.
وهنا تظهر وظيفة أخرى للبلدية: تنظيم المبادرة الخاصة وتوجيهها نحو أولوية عامة.
القطاع الخاص والمغتربون… من المساعدة إلى الشراكة؟
لطالما ارتبط دعم أبناء البلدات لمجتمعاتهم المحلية بالتبرعات والمساعدات الفردية.
لكن السؤال الذي تطرحه تجربة تربل هو ما إذا كان بالإمكان الانتقال من مفهوم «المساعدة» إلى مفهوم الشراكة الإنمائية.
فالقطاع الخاص أو رجل الأعمال الذي يساهم في مشروع بنية تحتية محلية لا يقدّم بالضرورة خدمة اجتماعية منفصلة عن التخطيط البلدي؛ ويمكن أن يصبح جزءًا من منظومة تمويل مشاريع عامة، شرط أن تكون الأولويات واضحة، وآليات التنفيذ شفافة، والنتيجة قابلة للقياس والاستفادة منها من جميع أبناء البلدة.
وتزداد أهمية هذا النموذج في البلدات التي يملك أبناؤها المنتشرون في لبنان والخارج قدرات مالية ومهنية يمكن توجيهها نحو مشاريع مستدامة.
فبدل أن تقتصر العلاقة بين البلدة وأبنائها في الاغتراب على مناسبات موسمية أو مبادرات ظرفية، يمكن تطويرها باتجاه صندوق تنموي محلي، أو برنامج شراكات، أو مشاريع محددة ذات أهداف وموازنات معلنة.
من يدفع؟ ومن يراقب؟ ومن يضمن الاستدامة؟
هنا تبدأ الأسئلة الأصعب. فنجاح مشروع الطاقة الشمسية لا يقاس فقط بعدد الألواح والمصابيح التي تم تركيبها، بل أيضًا بكلفة الصيانة، وعمر المعدات، وآلية استبدال البطاريات أو القطع عند الحاجة، وكيفية إدارة الأعطال، ومن يتحمل الكلفة مستقبلًا.
كما أن الشراكة بين البلدية والقطاع الخاص تحتاج إلى قواعد واضحة حتى تبقى الأولوية للمصلحة العامة.
وهذا يعني أن أي نموذج قابل للتعميم يحتاج إلى إجابات واضحة عن مجموعة من الأسئلة:
– ما الكلفة الإجمالية للمشروع؟
– ما حجم الوفر المتوقع في كلفة التشغيل؟
– من يتولى الصيانة؟
– ما العمر التشغيلي للمعدات؟
– هل توجد آلية معلنة لمراقبة الأداء؟
– كيف تُدار المساهمات الخاصة في المشاريع العامة؟
– وهل يمكن توثيق هذه الشراكات ضمن حسابات البلدية وسجلاتها بما يضمن الشفافية؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة المبادرة، بل تمنحها فرصة للتحول من تجربة محلية إلى نموذج بلدي قابل للتكرار.
الإنارة والأمن والسلامة… خدمة تتجاوز الضوء
في بلدات الأطراف والمناطق الريفية، لا ترتبط الإنارة العامة بالمشهد الحضري فقط.
فالطرقات المظلمة تؤثر على حركة السكان ليلًا، وعلى سلامة المشاة والسائقين، وعلى القدرة على الوصول إلى المنازل والأحياء، كما ترتبط بمفهوم أوسع للسلامة العامة.
ومن هنا يمكن قراءة مشروع تربل باعتباره مشروعًا خدماتيًا له انعكاسات اجتماعية وأمنية، وليس مجرد مشروع طاقة.
لكن ذلك يفترض أن تكون شبكة الإنارة موزعة وفق خريطة واضحة للأولويات، بحيث تشمل الطرق الرئيسية والمفاصل الحيوية والمناطق الأكثر حاجة، لا أن تكون مجرد نقاط متفرقة.
الطريق والزفت… لماذا لا تكفي الإنارة وحدها؟
المفارقة التنموية في تربل أن إطلاق مشروع الإنارة تزامن مع الإعلان عن موافقة وزارة الأشغال العامة والنقل على تزفيت طرقات البلدة ضمن موازنة عام 2026.
وهنا تظهر صورة أكبر للاحتياجات المحلية.
فالبلدة تحتاج إلى إنارة، لكنها تحتاج أيضًا إلى طرق مؤهلة، وتصريف مياه، وإدارة للنفايات، ومياه، وكهرباء، وصيانة للبنى التحتية.
أي أن نجاح مبادرة واحدة لا يلغي الحاجة إلى الدولة، بل يكشف حجم المسؤوليات التي لا تستطيع البلدية وحدها تحملها.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن تتحول مساهمات القطاع الخاص وأبناء البلدة إلى بديل دائم عن التمويل العام، بل إلى رافعة إضافية تساعد في تسريع المشاريع، فيما تبقى مسؤولية الدولة في تأمين الخدمات الأساسية قائمة.
تجربة تربل… هل تصلح للتعميم؟
لا يمكن اعتبار تجربة واحدة دليلًا كافيًا على نجاح نموذج إنمائي شامل، كما أن الظروف المالية والإدارية تختلف بين بلدة وأخرى.
لكن تجربة تربل تطرح نموذجًا يمكن اختباره وتطويره: بلدية تحدد الأولوية، ابن بلدة أو قطاع خاص يوفر جزءًا من التمويل، أصحاب الاختصاص يقدمون الحلول التقنية، والدولة تؤمن الموافقات والبنى التحتية التي تتجاوز صلاحيات البلدية.
إذا نجحت هذه الحلقة في العمل ضمن إطار شفاف ومستدام، يمكن أن تتحول إلى نموذج قابل للتوسع في مشاريع الطاقة والمياه والطرق والإنارة وإدارة المرافق العامة.
أما التحدي الحقيقي، فيبقى في الانتقال من المبادرة الفردية إلى منظومة مؤسساتية لا تعتمد على حماس شخص أو قدرة ممول واحد، بل تستطيع كل بلدة من خلالها حشد طاقاتها المالية والبشرية والاغترابية لخدمة التنمية المحلية.
من «ماذا قدّمت لتربل؟» إلى «ماذا تستطيع تربل أن تبني؟»
رسالة سليم عاصي خلال الاحتفال، حين دعا أبناء البلدة إلى أن يسأل كل منهم نفسه: «ماذا أستطيع أن أقدّم لتربل؟»، تختصر البعد الاجتماعي للمشروع.
لكن السؤال التنموي الأوسع قد يكون مختلفًا: كيف تستطيع تربل أن تحوّل طاقات أبنائها، في الداخل والاغتراب، وخبرات القطاع الخاص، إلى خطة إنمائية طويلة الأمد؟.
هنا تحديدًا يمكن أن تتجاوز قصة الـ500 مصباح حدود الإنارة.
فالنور الذي دخل إلى شوارع تربل يمكن أن يكون مشروعًا خدماتيًا ناجحًا بحد ذاته، أو بداية لنموذج أوسع في العمل البلدي، حيث لا تنتظر البلدة دائمًا أن تأتي الحلول من الخارج، ولا يتحمل أبناؤها وحدهم أعباء التنمية، بل تتكامل البلدية والمجتمع المحلي والقطاع الخاص والدولة ضمن أدوار واضحة.
وفي النهاية، يبقى معيار نجاح التجربة أبعد من لحظة إطلاق المشروع: هل ستستمر الإنارة؟ وهل ستُقاس كلفتها ووفرها؟ وهل ستُصان المعدات؟ وهل ستتبعها مشاريع أخرى؟ وهل تتحول المبادرة الفردية إلى ثقافة شراكة تنموية مستدامة؟. عند الإجابة عن هذه الأسئلة، يمكن عندها تقييم تجربة تربل ليس بعدد المصابيح التي أُضيئت، بل بقدرتها على بناء نموذج بلدي أكثر استدامة وأقل اعتمادًا على الحلول الظرفية.
اعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الإنمائي البلدي








اترك تعليقًا