نسر حرمون… حين يغيب صوتٌ لا يشبه سواه
ملتقى «حوار وعطاء بلا حدود» يودّع الإعلامي والأكاديمي الكبير البروفسور نسيم الخوري
ميديا برس ليبانون _ ليس سهلًا أن تُكتب كلمة وداع في رجلٍ كان للكلمة عنده معنى، وللقلم مسؤولية، وللإعلام رسالة تتجاوز الخبر إلى الوعي، وللوطن قضية لا تنتهي عند حدود المواقف.
ببالغ الحزن والأسى، ينعى منسق «ملتقى حوار وعطاء بلا حدود» الدكتور طلال حمود، باسمه الشخصي وباسم أسرة الملتقى، الإعلامي والأكاديمي اللبناني الكبير البروفسور الدكتور نسيم الخوري، المعروف بـ«نسر حرمون»، الذي غادر هذه الحياة تاركًا خلفه سيرةً حافلة بالعطاء العلمي والإعلامي والفكري والوطني، وذاكرةً لا تختصرها الكلمات.
يغيب «نسر حرمون»، لكن صوته يبقى حاضرًا في مدرجات الجامعة، وفي ذاكرة طلابه، وفي صفحات الكتب والدراسات، وفي وجدان أجيال من الإعلاميين الذين تعلّموا منه أن الصحافة ليست مجرد مهنة، وأن الكلمة حين تُكتب بمسؤولية يمكن أن تصبح موقفًا، وأن الإعلام حين يتحرر من الحسابات الضيقة يستطيع أن يكون مساحة للوعي والحوار والدفاع عن قضايا الناس والوطن.
كان الدكتور نسيم الخوري أستاذًا وباحثًا في العلوم السياسية والإعلام، ودرّس في الجامعة اللبنانية وتولى سابقًا إدارة كلية الإعلام، وأسهم في تكوين أجيال من الإعلاميين والباحثين. وترك وراءه مؤلفات ودراسات فكرية وإعلامية، من أبرزها كتاب «الإعلام العربي وانهيار السلطات اللغوية»، إلى جانب إرث غني من الكتابات التي قاربت قضايا لبنان والعالم العربي، واللغة والثقافة، والإصلاح والسيادة، والقضية الفلسطينية، ودور الجامعة والإعلام في بناء الإنسان والمجتمع.
قلمٌ حمل قضايا وطنه
في رثائه، استعاد الدكتور طلال حمود صورة الراحل بوصفه «الإعلامي المقاوم الشرس»، الذي لم يتعامل مع القلم كأداة مهنة فحسب، بل كمساحة للتعبير عن قناعاته الوطنية والقومية، والدفاع عن القضايا التي آمن بعدالتها.
واستذكر حمود ارتباط الخوري العميق بالجنوب اللبناني وجبل حرمون، وبكل لبنان، وما كان يحمله من هموم وطنه وأمته، لافتًا إلى أن آخر تواصل بينهما حمل الكثير من المشاعر والهواجس، بعدما عبّر الراحل عن حزنه العميق لما أصاب الجنوب وأهله، وعن قلقه على مستقبل لبنان والعالم العربي، وتمسّكه بأهمية المبادرات والمشاريع الوطنية الجامعة.
وكان الخوري، في نظر رفاقه وتلامذته، من أولئك الذين لم يساوموا على قيمة الكلمة، ولم يروا في الإعلام ساحة لتصفية الحسابات، بل مسؤولية أخلاقية وفكرية تستوجب الارتقاء بالنقاش العام، وصون لغة الحوار، ومواجهة الانقسام بخطاب يجمع ولا يفرّق.
حين يغيب الأستاذ ويبقى التلامذة
ولعل أقسى ما في رحيل الأكاديمي أن يغيب صاحب التجربة، بينما تبقى الأجيال التي صنعتها أفكاره شاهدة على حضوره.
فقد ترك نسيم الخوري أثرًا في أجيال من الإعلاميين والطلاب، لا باعتباره أستاذًا في قاعات الجامعة فحسب، بل باعتباره صاحب مدرسة في التفكير والكتابة والنقاش، وهو أثر لا يُقاس بعدد المؤلفات وحدها، بل بما زرعه في عقول الذين مرّوا في مدرسته، وما تركه في ذاكرة زملائه وطلابه ومحبيه.
وأكد حمود أن رحيل الخوري يشكل فقدانًا لشخصية جمعت بين العلم والأكاديمية والإعلام والالتزام الوطني والقومي، معتبرًا أن لبنان فقد برحيله صوتًا فكريًا وإعلاميًا ترك بصمته في مرحلة طويلة من تاريخ الإعلام والثقافة والحياة العامة.
وداعًا يا «نسر حرمون»
رحل نسيم الخوري، لكن بعض الرجال لا يغادرون تمامًا.
يبقون في كتبهم، وفي تلامذتهم، وفي مواقفهم، وفي ذاكرة الأماكن التي أحبوها، وفي الكلمات التي كتبوها يومًا وظنوا أنها ستعبر إلى الناس، فإذا بها تعبر إلى الزمن.
من الجنوب الذي أحبّه، إلى حرمون الذي حمل اسمه، إلى الجامعة التي علّم فيها، إلى الصحافة التي جعل منها منبرًا للفكر والموقف، يبقى «نسر حرمون» حاضرًا في ذاكرة من عرفه وقرأه وتعلّم منه.
رحم الله الدكتور نسيم الخوري، وأبقى كلمته حيّة في زمنٍ أحوج ما يكون إلى الكلمة المسؤولة.
يتقدم الدكتور طلال حمود وأسرة «ملتقى حوار وعطاء بلا حدود» من عائلة الفقيد ومحبيه وزملائه وطلابه بأحر التعازي، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
تعزية «ميديا برس ليبانون»
وبهذه المناسبة الأليمة، تتقدم أسرة «ميديا برس ليبانون»، إدارةً وأسرةً تحريرية، من عائلة الراحل الكبير الدكتور نسيم الخوري، ومن زملائه وطلابه ومحبيه، ومن الدكتور طلال حمود وأسرة «ملتقى حوار وعطاء بلا حدود»، بأصدق مشاعر التعازي والمواساة.
إن رحيل قامة أكاديمية وإعلامية وفكرية بحجم الدكتور نسيم الخوري هو خسارة للوسط الإعلامي والثقافي اللبناني، ولأجيال عرفت فيه الأستاذ والمفكر وصاحب القلم والحضور الإنساني.
نسأل الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يلهم عائلته ومحبيه الصبر والسلوان، وأن يبقى إرثه العلمي والإعلامي والإنساني حيًا في ذاكرة لبنان وأجياله.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ميديا برس ليبانون _ القسم الاجتماعي



اترك تعليقًا