مقعد سكاف الشاغر بين إلزام الدستور وحسابات المرحلة: هل تُجرى الانتخابات الفرعية في البقاع الغربي؟
خاص – ميديا برس ليبانون _ أحمد موسى _ مع وفاة النائب الدكتور غسان سكاف، لم يفتح شغور المقعد الأرثوذكسي في دائرة البقاع الثانية – البقاع الغربي وراشيا – باباً انتخابياً فحسب، بل أعاد إلى الواجهة سؤالاً دستورياً وسياسياً دقيقاً: هل تتحول الانتخابات الفرعية من استحقاق دستوري إلى قرار سياسي تحكمه ظروف البلاد، أم أن النص الدستوري يبقى نافذاً مهما تبدلت الظروف؟.
المسألة تبدو، في ظاهرها، محددة: مقعد نيابي شغر، والدستور يحدد آلية ملئه. لكن المشهد يصبح أكثر تعقيداً عندما يوضع هذا الشغور في سياق تمديد ولاية مجلس النواب لسنتين، والأوضاع الأمنية والعسكرية التي دفعت أصلاً إلى تأجيل الانتخابات النيابية العامة.
وفي هذا السياق، علمت «ميديا برس ليبانون» من مصادر متابعة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يؤيد إجراء الانتخابات الفرعية لملء المقعد الأرثوذكسي الشاغر في البقاع الغربي، بما يعكس اتجاهاً إلى التعامل مع الشغور باعتباره استحقاقاً قائماً بذاته.
في المقابل، يقدّم نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي مقاربة مختلفة، إذ يرى أن الدستور يؤكد وجوب إجراء الانتخابات الفرعية عند شغور أي مقعد، ومن ضمنها المقعد الأرثوذكسي في البقاع الغربي، إلا أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان والمنطقة، ولا سيما التطورات العسكرية والدماء التي تسيل في البلاد، تستدعي – من وجهة نظره – التريث إلى حين اتضاح المسار الأمني والسياسي للمنطقة ولبنان.
هنا تحديداً تبدأ المسألة الحقيقية: هل الظروف الاستثنائية تستطيع أن تعلّق حكماً دستورياً من دون نص صريح؟.
المادة 41… النص الذي يعيد الملف إلى مربعه الدستوري
بحسب القراءة التي يقدمها الباحث القانوني والدستوري المحامي الدكتور ميشال عيد، فإن نقطة الانطلاق لا ينبغي أن تكون سياسية، بل دستورية.
فالمادة 41 من الدستور اللبناني تنص على أنه: «إذا خلا مقعد في المجلس يجب الشروع في انتخاب الخلف في خلال شهرين، ولا تتجاوز نيابة العضو الجديد أجل نيابة العضو القديم».
وبالتالي، فإن القاعدة الدستورية، وفق هذه القراءة، واضحة في أصلها: شغور المقعد يوجب المباشرة بانتخاب خلف خلال مهلة شهرين.
وتنسجم مع هذه القاعدة الأحكام الواردة في قانون الانتخابات النيابية المتعلقة بالشغور الناتج عن الوفاة أو الاستقالة، بما يضع السلطة التنفيذية أمام مسار إجرائي محدد لإتمام العملية الانتخابية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد تمديد ولاية المجلس هو: هل أدى تمديد الولاية إلى تغيير هذه القاعدة أو تعليق مفاعيلها؟.
تمديد المجلس لسنتين… هل غيّر المعادلة؟
هنا تكمن العقدة القانونية والسياسية الأساسية.
فالتمديد الذي أقرّه مجلس النواب في آذار 2026، في ظل الظروف الأمنية والاستثنائية التي رافقت البلاد، أدّى إلى تأجيل الانتخابات النيابية العامة إلى عام 2028.
لكن، وفق قراءة الدكتور عيد، فإن التمديد الاستثنائي للولاية لا يعني حكماً تعليق المادة 41 من الدستور، ما لم يتضمن النص التشريعي بصورة صريحة حكماً يعطل الانتخابات الفرعية أو يستثنيها.
والفارق جوهري. فالانتخابات العامة جرى تأجيلها بموجب قانون خاص واستثنائي، بينما الانتخابات الفرعية تنشأ عن واقعة دستورية مستقلة هي شغور المقعد.
ومن هنا، فإن توسيع مفاعيل قانون التمديد لتشمل الانتخابات الفرعية من دون نص واضح قد يطرح، وفق هذه المقاربة، إشكالية تتعلق بمبدأ التفسير الضيق للاستثناءات الدستورية والقانونية.
الأكثر دلالة أن التمديد، بدلاً من أن يجعل ملء المقعد أقل أهمية، قد يجعل الحاجة إليه أكثر وضوحاً.
ففي ظل بقاء المجلس النيابي قائماً لمدة تقارب السنتين الإضافيتين، فإن إبقاء دائرة انتخابية من دون أحد ممثليها طوال هذه المدة يعني استمرار فراغ تمثيلي طويل نسبياً، الأمر الذي يختلف جذرياً عن حالة كان فيها موعد الانتخابات العامة على بعد أسابيع أو أشهر قليلة.
بين النص والظرف الأمني… أين تقف السلطة؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل الحجة السياسية التي يطرحها الفرزلي.
فلبنان لا يعيش ظروفاً طبيعية، والتمديد النيابي نفسه جاء نتيجة ظروف استثنائية. وبالتالي، فإن الدعوة إلى انتخابات فرعية في منطقة محددة، بينما البلاد والمنطقة تواجهان تحديات أمنية وعسكرية، تطرح سؤالاً عملياً حول قدرة الدولة على تنظيم الاستحقاق وتأمين شروطه السياسية والأمنية.
لكن الإشكالية الدستورية تبدأ عندما يتحول الاعتبار السياسي أو الأمني إلى بديل عن النص.
فالقاعدة الدستورية، بحسب القراءة القانونية المطروحة، لا تمنح السلطة التنفيذية خياراً مفتوحاً بين إجراء الانتخابات وعدم إجرائها، بل تضع عليها واجباً يبدأ عند تحقق واقعة الشغور.
وبالتالي، فإن السؤال لا يصبح: هل الظروف السياسية تسمح بالانتخابات؟ فحسب، بل: ما هو السند الدستوري لتعليق انتخابات أوجب الدستور إجراءها؟. وهذا هو الفارق بين «التريث السياسي» و«التعليق القانوني».
ماذا عن الإجراءات التنفيذية؟
إجرائياً، لا تنتهي المسألة عند تحديد المبدأ الدستوري. فالانتخابات الفرعية تحتاج إلى استكمال المسار التنفيذي المنصوص عليه في التشريعات المرعية، بدءاً من تثبيت الشغور، مروراً بالإجراءات الحكومية اللازمة، وصولاً إلى إصدار مرسوم الدعوة إلى الانتخاب ضمن المهل القانونية، وتأمين المستلزمات اللوجستية والأمنية للعملية.
وهنا يصبح دور السلطة التنفيذية محورياً، لأن عدم اتخاذ الخطوات المطلوبة لا يبقى مجرد موقف سياسي، بل قد يفتح الباب أمام مساءلة قانونية أو مراجعات أمام القضاء المختص، وفق طبيعة القرار أو الامتناع والجهة صاحبة الصلاحية.
ومن هذه الزاوية، فإن استمرار الشغور لفترة طويلة، في حال عدم وجود نص قانوني واضح يبرر التعليق، قد يحول القضية من استحقاق انتخابي إلى نزاع دستوري محتمل.
المقعد الأرثوذكسي… انتخابات محلية بحسابات سياسية وطنية
لكن للملف بعداً سياسياً لا يقل أهمية عن البعد القانوني. فالمقعد الأرثوذكسي في دائرة البقاع الثانية ليس رقماً في جدول المقاعد النيابية. إنه جزء من التوازن السياسي والطائفي الذي يقوم عليه النظام الانتخابي اللبناني.
وأي انتخابات فرعية في البقاع الغربي وراشيا ستتجاوز، حكماً، حدود المنافسة على مقعد واحد، لتتحول إلى اختبار مصغر للاتجاهات السياسية في المنطقة، ولقدرة القوى المحلية على إعادة تركيب تحالفاتها، ولحجم النفوذ الذي يمكن أن يترجم في صناديق الاقتراع.
كما أن توقيت الانتخابات، في حال إجرائها، قد يكون عاملاً بحد ذاته في تحديد طبيعة المنافسة.
فهل ستكون معركة انتخابية فعلية؟ أم تسوية سياسية تسبق فتح صناديق الاقتراع؟ وهل ستدخل القوى السياسية الكبرى مباشرة في السباق، أم تترك للمنطقة إنتاج مرشح توافقي؟.
هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، لكنها تؤكد أن المقعد الشاغر لا يحمل قيمة دستورية فقط، بل وزناً سياسياً يتجاوز حجمه العددي.
من يملك قرار التريث؟
في نهاية المطاف، يبدو أن جوهر الملف لا يتعلق فقط بمن سيخلف النائب الراحل غسان سكاف، بل بحدود السلطة في التعامل مع الاستحقاقات الدستورية خلال الظروف الاستثنائية.
فمن الناحية القانونية، تنطلق القراءة التي قدمها الدكتور ميشال عيد من أن المادة 41 تفرض الشروع في انتخاب الخلف خلال شهرين، وأن تمديد ولاية المجلس لسنتين لا يكفي بذاته لتعليق هذا الالتزام، ما لم يوجد نص صريح يقرر خلاف ذلك.
أما سياسياً، فتُطرح في المقابل حجة الظروف الأمنية والاستثنائية التي دفعت أصلاً إلى تمديد ولاية المجلس وتأجيل الانتخابات العامة، وهي الحجة التي يستند إليها الفرزلي في الدعوة إلى التريث.
وبين القراءتين، يبقى السؤال الأكثر دقة: هل يستطيع الاستثناء السياسي أن يمدد ظله فوق نص دستوري ملزم، أم أن الدستور يفرض على السلطة أن تجد آلية لإجراء الانتخابات حتى في أكثر الظروف تعقيداً؟.
والأهم: إذا كان الاتجاه السياسي نحو إجراء الانتخابات قائماً، فإن الخطوة التالية يفترض أن تكون واضحة ومؤسساتية: تحديد المرجعية القانونية، احترام المهل، واستكمال الإجراءات التنفيذية بعيداً عن الاجتهاد السياسي أو الانتقائية في تطبيق النصوص.
أما إذا كان الاتجاه نحو عدم إجرائها، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيداً، لأن التريث عندها يحتاج إلى سند قانوني واضح لا إلى مجرد مبررات سياسية.
وهكذا، يتحول مقعد البقاع الغربي الشاغر إلى اختبار يتجاوز حدود الدائرة: اختبار لمدى قدرة المؤسسات اللبنانية على التوفيق بين مقتضيات الأمن والسياسة من جهة، وإلزامية النص الدستوري من جهة أخرى.
وفي دولة تتكرر فيها الاستثناءات، قد لا تكون القضية في النهاية: من يفوز بالمقعد؟
بل: من يملك حق تعليق الاستحقاق الدستوري، وبأي نص؟.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي
ملاحظة تحريرية: الآراء القانونية الواردة في هذا التحقيق منسوبة إلى أصحابها، ولا تعكس بالضرورة موقف «ميديا برس ليبانون». ويُفترض حسم أي خلاف حول تفسير النصوص أو الإجراءات من قبل الجهات الدستورية والقضائية المختصة.




اترك تعليقًا