1096 يوماً بعد 7 أكتوبر: ثلاث سنوات من الحرب… ماذا تغيّر وماذا بقي مفتوحاً؟


دوليات _ ميديا برس ليبانون _ في الساعة 6:29 من صباح 7 تشرين الأول 2023، لم تبدأ قصة المنطقة من الصفر، ولم تنتهِ بعد 1096 يوماً. ما حدث في ذلك الصباح شكّل نقطة انفجار أعادت رسم مسارات الصراع، ووسّعت ساحته من غزة إلى لبنان وإيران وسوريا واليمن، قبل أن تتحول الحرب من حدث أمني كبير إلى مسار إقليمي متعدد الجبهات، بأثمان بشرية وسياسية واقتصادية لا تزال تتراكم.

بعد ثلاث سنوات، لم يعد السؤال السياسي الوحيد: ماذا حدث في 7 أكتوبر؟
بل أصبح السؤال الأكثر تعقيداً: ماذا أنتجت السنوات الثلاث التي تلت ذلك اليوم؟ وهل نجحت القوة العسكرية في تحويل التفوق الميداني إلى تسوية سياسية قابلة للحياة؟

هذه ليست قراءة في رواية طرف واحد، ولا محاولة لإعادة تعريف بداية الصراع. فأنصار الرواية الفلسطينية يربطون 7 أكتوبر بعقود من الاحتلال والحصار والاستيطان والتهويد، فيما ترى إسرائيل في هجوم حماس نقطة تحول أمنية هزّت منظومة الردع وأطلقت حرباً واسعة. وبين الروايتين، بقي المدنيون في مختلف الساحات يدفعون الثمن الأكبر.

1096 يوماً… والأرقام تتحدث

في غزة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 74 ألفاً، وفق أحدث الأرقام التي أوردتها مصادر دولية في الذكرى الثالثة، وسط دمار واسع ونزوح مستمر وأزمة إنسانية عميقة.
وفي لبنان، تُظهر بيانات وزارة الصحة العامة أن الحصيلة التراكمية منذ 8 تشرين الأول 2023 بلغت حتى 25 أيلول 2026 8,953 قتيلاً و30,649 جريحاً.

أما في إيران، فقد تجاوزت الخسائر البشرية آلاف القتلى منذ اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران في شباط 2026، مع اختلاف الأرقام تبعاً للجهات التي قامت بالإحصاء؛ وكانت مجموعة HRANA قد أبلغت عن أكثر من 3,500 قتيل في مرحلة مبكرة من الحرب، مع تأكيد رويترز أن هذه الأرقام لم تكن مستقلة التحقق.

وفي الجانب الإسرائيلي، بقيت كلفة الحرب البشرية والأمنية حاضرة بقوة. ووفق بيانات الجيش الإسرائيلي المنشورة في 7 تشرين الأول 2026، بلغ عدد قتلى الجيش في ظروف عملياتية 970 عسكرياً، فيما أعلن الجيش أن أكثر من 70% من الجنود الذين أصيبوا خلال الحرب عادوا إلى الخدمة.
لكن الأرقام الإسرائيلية الرسمية لا تتوقف عند الخسائر البشرية.

فالجيش الإسرائيلي يقول إنه تعامل خلال السنوات الثلاث مع نحو 31,540 مقذوفاً باليستياً وصاروخاً أُطلقت من جبهات مختلفة باتجاه إسرائيل، بينها نحو 20 ألفاً من لبنان، و10,200 من غزة، و1,200 من إيران، و50 من سوريا و90 من اليمن، فيما أعلن استهداف نحو 100 ألف هدف في مختلف الجبهات.
هذه الأرقام، أياً كان تفسيرها السياسي والعسكري، تكشف حقيقة واحدة: الحرب لم تعد جبهة واحدة.

من غزة إلى الإقليم… كيف اتسعت الحرب؟

ما بدأ في 7 أكتوبر داخل محيط غزة تحوّل تدريجياً إلى شبكة من الجبهات المتداخلة.
لبنان دخل الحرب في 8 تشرين الأول 2023، قبل أن تتوسع المواجهة لاحقاً بصورة كبيرة. وإيران انتقلت من حرب الظل والردود غير المباشرة إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في 2026، فيما بقي اليمن جزءاً من معادلة إقليمية أوسع.

وهنا تكمن إحدى أهم نتائج السنوات الثلاث: لم يعد أمن إسرائيل منفصلاً عن أمن الإقليم، ولم تعد الحرب في غزة قابلة للفصل بسهولة عن الملفات اللبنانية والإيرانية واليمنية.

والأهم أن مسار الحرب نفسه تغيّر أكثر من مرة. فبعد سنوات من العمليات العسكرية، دخلت ترتيبات وقف إطلاق النار والتفاوض وإطلاق الأسرى والمحتجزين وإعادة الإعمار إلى صلب المشهد، من دون أن تختفي جذور الصراع أو الأسئلة المتعلقة بمستقبل غزة والسلاح والسيادة الفلسطينية والوجود العسكري الإسرائيلي.

وفي الذكرى الثالثة، نقلت تقارير عن الباحث الإسرائيلي يوني بن مناحيم تحذيره من استمرار النظر، في بعض الأوساط الإعلامية العربية، إلى 7 أكتوبر باعتباره إنجازاً قابلاً للتكرار. وهذه، بحسب توصيفه، هي المسألة الأكثر إثارة للقلق من المنظور الإسرائيلي.

لكن أهمية هذا التصريح لا تكمن في اعتماده كحقيقة عامة عن “الرأي العربي”، بل في كونه مؤشراً على أن معركة تفسير 7 أكتوبر لم تنتهِ، وأن إسرائيل نفسها لا تزال تناقش معنى الحدث وحدود ما حققته الحرب بعد ثلاث سنوات.

هل حُسمت الحرب… أم تبدّلت أهدافها؟

هنا تبدو المسألة أكثر تعقيداً.
فالجيش الإسرائيلي يعرض حصيلة واسعة من العمليات والضربات واستهداف القيادات والبنى العسكرية في غزة ولبنان وإيران.

في المقابل، لا تزال أصوات إسرائيلية بارزة تناقش ما إذا كانت الأهداف السياسية للحرب قد تحققت فعلاً. وفي 7 تشرين الأول 2026، نُقل عن غادي آيزنكوت قوله إن إسرائيل، بعد ثلاث سنوات، لم تحقق أهداف الحرب التي وضعتها لنفسها.
وهنا يظهر الفارق بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية.

فيمكن لجيش أن يدمر آلاف الأهداف ويقتل قادة ويفكك بنى عسكرية، لكن السؤال السياسي يبقى: ماذا بعد؟.
من يحكم غزة؟
من يعيد إعمارها؟
ما مصير السلاح؟
ما شكل الدولة الفلسطينية المقبلة؟
أين تقف إسرائيل من حل الدولتين؟
وهل يمكن إعادة بناء منظومة ردع تمنع تكرار 7 أكتوبر من دون تسوية سياسية تعالج أصل الصراع؟.
حتى الآن، لا تبدو الإجابات النهائية مكتملة.

لبنان… الجبهة التي دفعت ثمناً يتجاوز حدود المعركة

لبنان لم يكن مجرد ساحة موازية للحرب.
الأرقام الرسمية لوزارة الصحة اللبنانية تظهر أن حصيلة الخسائر منذ تشرين الأول 2023 وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، فيما أدت المواجهات اللاحقة في 2026 إلى موجات نزوح واسعة وأضرار كبيرة في البنية التحتية والمساكن والاقتصاد.

وهنا يبرز السؤال اللبناني الأوسع:
إلى أي مدى يستطيع لبنان تحمّل كلفة الصراعات الإقليمية فيما لا يزال اقتصاده ومؤسساته يعانيان آثار الانهيار السابق؟.
السؤال ليس عسكرياً فقط، بل يتعلق بمفهوم الدولة والسيادة وإعادة الإعمار والقرار الأمني والاقتصادي، وبقدرة لبنان على منع تحوله مجدداً إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

المجتمع الدولي… بيانات كثيرة ونتائج محدودة

على المستوى الدولي، لا يمكن قراءة السنوات الثلاث بعيداً عن مجلس الأمن.
الولايات المتحدة استخدمت حق النقض في مجلس الأمن ست مرات خلال الحرب حتى أيلول 2025 ضد مشاريع قرارات مرتبطة بوقف إطلاق النار في غزة، وكان آخرها في 18 أيلول 2025، عندما صوّت الأعضاء الـ14 الآخرون لمصلحة مشروع قرار يدعو إلى وقف إطلاق نار فوري وغير مشروط ودائم، بينما استخدمت واشنطن الفيتو.

وفي الوقت نفسه، أظهرت وقائع مجلس الأمن منذ الأيام الأولى للحرب أن الانقسام بين القوى الكبرى حدّ من قدرة المجلس على اتخاذ قرارات حاسمة، رغم كثافة الاجتماعات والبيانات والمبادرات الدبلوماسية.

أما القمم العربية والإسلامية، فانعقدت على مستويات عدة، وأصدرت مواقف وإدانات متكررة، لكن الفارق بين الموقف السياسي والقدرة على التأثير المباشر في مسار الحرب بقي واضحاً.

وهنا ربما تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة في السنوات الثلاث:
الكثير من البيانات، الكثير من القمم، الكثير من الإدانات… لكن القليل من القدرة على تغيير ميزان القوة على الأرض.

ثلاث سنوات… وسؤال أكبر من الحرب

بعد 1096 يوماً، لم يعد من السهل اختزال المشهد في معادلة “من انتصر ومن خسر”.
فالحرب غيّرت الحسابات الإسرائيلية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، ووسّعت دائرة المواجهة الإقليمية، وأثقلت لبنان بأثمان بشرية واقتصادية هائلة، وفتحت مواجهة مباشرة مع إيران، وأظهرت في الوقت نفسه حدود القوة العسكرية عندما لا تترافق مع مسار سياسي قادر على إنتاج تسوية.

وفي المقابل، فإن ما جرى في 7 أكتوبر وما أعقبه ترك المجتمع الإسرائيلي أمام أسئلة أمنية وسياسية عميقة، فيما بقي الفلسطينيون أمام واقع إنساني ووطني بالغ القسوة.

وهكذا، فإن 7 أكتوبر 2023 لم يعد مجرد تاريخ في روزنامة الحرب.

إنه نقطة فاصلة بين مرحلة ومرحلة؛ لكن معنى هذه النقطة لا يزال موضع صراع بين الروايات والوقائع والمصالح.

الخاتمة: 1096 يوماً… وما زال السؤال مفتوحاً

ثلاث سنوات كانت كافية لتغيير خرائط عسكرية، وفتح جبهات جديدة، وإسقاط حسابات قديمة، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة، لكنها لم تكن كافية لإغلاق ملف الصراع.

فالدمار يمكن قياسه بالأرقام، والضحايا يمكن إحصاؤهم، والصواريخ يمكن عدّها، والفيتوات يمكن تسجيلها في سجلات الأمم المتحدة.

لكن ما لا يمكن اختزاله بسهولة هو السؤال السياسي:
هل أنتجت 1096 يوماً من الحرب طريقاً إلى نهاية الصراع، أم أنها أعادت إنتاجه بأشكال أكثر اتساعاً وتعقيداً؟
ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي في الذكرى الثالثة لـ7 أكتوبر.
فالحرب قد تتوقف في لحظة، والعمليات العسكرية قد تنتهي باتفاق، لكن الصراع لا ينتهي بمجرد توقف النار.

وما لم تتحول الخسائر الهائلة إلى مسار سياسي يعالج جذور الأزمة، فإن المنطقة ستبقى أمام معادلة مؤجلة: جولة تنتهي… وأخرى تنتظر أسبابها. إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الإقليمي والدولي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا