أزمة دار الفتوى أم أزمة منهج؟ حين تتقدم الحسابات على المؤسسات
● الشيخ محمد عبد الله المغربي
محليات _ ميديا برس ليبانون _ لا تبدو المسألة، في جوهرها، مجرد خلاف حول تمديد ولاية مفتي الجمهورية أو حول موقع شخص في مؤسسة دينية ووطنية. ما يطفو إلى الواجهة اليوم هو سؤال أوسع وأكثر حساسية: كيف تُدار المرجعيات الدينية؟ وهل تُحسم الملفات الحساسة بمنطق المؤسسات والنظام والقانون، أم عبر ترتيبات اللحظة الأخيرة التي تترك خلفها إشكالات قانونية وسياسية واجتماعية؟.
ومن هذه الزاوية، تأتي التساؤلات التي يطرحها المعتمد الديني السابق لدار الفتوى في البرازيل الشيخ محمد عبد الله المغربي، باعتبارها قراءة نقدية لمسار الملف، لا حكمًا مسبقًا على موقف مجلس شورى الدولة أو على أي طرف من أطراف النزاع.
مؤسسة أكبر من الأشخاص
لسنا، في نهاية المطاف، أمام قضية شخص أو منصب فحسب، بل أمام اختبار لمنهج إدارة مؤسسة يفترض أن تبقى أكبر من الأشخاص، وأرسخ من الظروف السياسية المتبدلة.
فلماذا وصلت قضية بهذه الحساسية إلى مجلس شورى الدولة؟ وهل يتحمل القضاء الإداري مسؤولية الإشكال، أم أن أصل المشكلة يكمن في كيفية إدارة الملف منذ بدايته؟.
السؤال الأكثر جوهرية هنا يتعلق بالتعديل الذي أُدخل على النظام الداخلي للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجلسة الأخيرة السابقة، وما إذا كان توقيته ومضمونه قد وفّرا أساسًا قانونيًا كافيًا لفتح الباب أمام الأزمة الحالية، في وقت لم تكن فيه ولاية مفتي الجمهورية قد شارفت على الانتهاء.
ومن هنا تبرز مسؤولية أعضاء المؤسسات المعنية، لا بمعنى تحميلهم مسبقًا مسؤولية قانونية، بل بمعنى مساءلة الأداء المؤسساتي: هل كان ينبغي مناقشة التعديل بصورة أوسع؟ وهل كان الاعتراض، إن وُجدت مبرراته، يجب أن يحصل في حينه لا بعد انتقال الملف إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؟.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة هو أن تصبح القرارات التي تمسّ بنيتها أو مستقبلها موضع نقاش بعد اتخاذها، بدل أن يكون النقاش الحقيقي سابقًا عليها.
كما أن الدفاع عن دار الفتوى لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة مع القضاء أو الدولة. فمجلس شورى الدولة، في أي نزاع يُحال إليه، يمارس وظيفة قانونية ضمن صلاحياته، ولا يصح تحميل المؤسسة القضائية مسؤولية خلاف نشأ في مكان آخر.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كان بالإمكان احتواء الملف داخل الأطر المؤسساتية قبل أن يصل إلى القضاء؟.
فدار الفتوى، بما تمثله دينيًا ووطنياً، لا يفترض أن تكون رهينة سجالات الأشخاص، ولا أن تتحول الخلافات المتعلقة بإدارتها إلى مادة انقسام عام.
وفي المقابل، فإن انتهاء ولاية أي مسؤول ديني أو إداري لا يعني انتهاء مؤسسة، كما أن انتقال موقع المرجعية من شخص إلى آخر لا ينبغي أن يُقدَّم وكأنه نهاية مرحلة أو بداية انهيار.
المؤسسات الحقيقية تُبنى على القواعد، لا على الأشخاص؛ وعلى استمرارية المرجعية، لا على استمرارية فرد بعينه.
ومن هنا، تبدو الحاجة اليوم إلى تهدئة الخطاب أكثر من أي وقت مضى، وإعادة الملف إلى مكانه الطبيعي: القانون، والمؤسسات، والاحتكام إلى الأطر الدستورية والإدارية المعتمدة.
فلبنان، بكل أزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، لا يحتاج إلى أزمة إضافية تُدار بمنطق الانفعال أو التخندق الطائفي.
الناس التي تعاني من ضغوط المعيشة، والعائلات التي تواجه أعباء التعليم والطبابة والشتاء، والمؤسسات الدينية التي تواجه تحديات مالية واجتماعية، تحتاج إلى مرجعيات تُعطي الأولوية للاستقرار والخدمة العامة، لا إلى صراعات مفتوحة حول المواقع.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكبر من ملف التمديد: هل نريد إدارة المرجعيات الدينية بمنطق الأشخاص، أم بمنطق المؤسسات؟.
إذا كان المقصود حماية دار الفتوى، فإن حمايتها لا تكون بإخراج خلافاتها إلى مساحة أوسع من حجمها، ولا بتحويل القضاء إلى خصم، بل بتحصين أنظمتها وآلياتها وقراراتها بحيث لا تترك مجالًا للالتباس.
دار الفتوى أمانة عامة، وليست ملكًا شخصيًا لأي طرف، والمرجعية الدينية لا تستمد هيبتها من بقاء الأشخاص في مواقعهم بقدر ما تستمدها من قوة المؤسسة واحترام قواعدها.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة الشيخ محمد عبد الله المغربي إلى الخروج من دائرة التجاذب جديرة بالنقاش، خصوصًا عندما يضع المسألة في إطار أوسع من الخلاف حول التمديد، ويربطها بمفهوم إدارة الطائفة واحترام مؤسساتها.
لكن حماية المؤسسة تقتضي أيضًا خطابًا مسؤولًا لا يضع أبناء الطائفة في مواجهة بعضهم، ولا يحوّل الاختلاف القانوني إلى انقسام ديني أو اجتماعي.
فالطائفة أكبر من أي شخص، ودار الفتوى أكبر من أي ولاية، والقانون أكبر من أي تسوية ظرفية.
وفي النهاية، لا يحتاج هذا الملف إلى مزيد من التصعيد بقدر ما يحتاج إلى معالجة هادئة تعيد الاعتبار إلى المؤسسات، وتحفظ هيبة المرجعية، وتحترم القضاء، وتمنع أن يتحول الخلاف الإداري والقانوني إلى أزمة ثقة داخلية.
فالناس، كما يقول المغربي، ليست معنية بمعارك الكراسي بقدر ما هي معنية بأن تجد في مؤسساتها الدينية والوطنية مظلة استقرار وحكمة.
والاختبار الحقيقي اليوم ليس لمن ينتصر في هذا الخلاف، بل لما إذا كانت المؤسسات ستخرج منه أقوى وأكثر وضوحًا، أم أكثر انقسامًا والتباسًا.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ قسم التحليل والآراء
● المعتمد الديني السابق لدار الفتوى في البرازيل
المقال يعكس وجهة نظر صاحبه، ولا يعبّر بالضرورة عن موقف «ميديا برس ليبانون».



اترك تعليقًا