صيف لبنان على حافة العتمة… من يحاصر كهرباء الدولة؟ أرقام تكشف فجوة بـ190 مليون دولار وسباقاً مع الوقت لإنقاذ القطاع

خاص _ ميديا برس ليبانون

#ميديا_برس_ليبانون |لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مجرد ملف خدمي أو تقني، بل تحولت إلى واحدة من أخطر الأزمات المالية والسياسية التي تواجه الدولة. فخلف ساعات التقنين، تختبئ أرقام صادمة تكشف انهياراً تدريجياً في قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على الاستمرار، وسط عجز مالي متصاعد، وارتفاع غير مسبوق في كلفة الإنتاج، وتراجع الجباية، وتعثر الدولة في سداد مستحقاتها.

وتشير المعطيات المالية إلى أن صيف 2026 قد يكون مفصلياً، إذ تقف المؤسسة أمام ثلاثة سيناريوهات، جميعها مكلف، فيما يبقى القرار السياسي والتمويل الحكومي العامل الحاسم بين استمرار التغذية أو العودة إلى العتمة الشاملة.

العجز يتوسع… والقرار السياسي يؤجل الانفجار

تكشف الأرقام أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتأمين الفيول، بل أصبحت أزمة سيولة وإدارة مالية. فاقتراح اعتماد تعرفة كهربائية متحركة مرتبطة بأسعار النفط العالمية سقط داخل مجلس الوزراء، بعدما اعتُبر أن أي زيادة جديدة ستضاعف الأعباء على المواطنين في ظل الانهيار الاقتصادي.

وبدلاً من تعديل التعرفة، طُرح حل مؤقت يقوم على تسديد الدولة نحو 50 مليون دولار شهرياً لمدة أربعة أو خمسة أشهر من ديونها المتراكمة لمؤسسة كهرباء لبنان، والتي ارتفعت من نحو 250 مليون دولار نهاية عام 2025 إلى ما بين 330 و340 مليون دولار حالياً.

لكن حتى هذا الحل لم يدخل حيز التنفيذ، ما أبقى المؤسسة أمام معادلة مالية خطيرة: إيرادات شهرية لا تتجاوز 40 مليون دولار، مقابل نفقات تشغيلية تتخطى 100 مليون دولار، وهو فارق ينذر بتقليص ساعات التغذية وربما الوصول إلى انقطاع واسع إذا لم تتأمن السيولة سريعاً.

67.5 مليون دولار أضرار… والحصيلة مرشحة للارتفاع

لم تقتصر تداعيات الحرب والأزمات على الخزينة، بل أصابت البنية التحتية للقطاع مباشرة.

وتقدّر مؤسسة كهرباء لبنان الأضرار الأولية بنحو 67.5 مليون دولار، موزعة على شركات مقدمي خدمات التوزيع، حيث سجلت شركة MRAD الخسارة الأكبر بأكثر من 55.7 مليون دولار، تلتها NEUC بنحو 11.3 مليون دولار، فيما بلغت خسائر KVA نحو نصف مليون دولار، بينما لا تزال أضرار شركة BUS قيد التقييم.

وتؤكد المؤسسة أن هذه الأرقام لا تشمل كامل الأضرار التي أصابت محطات التحويل وشبكات النقل، ما يعني أن الكلفة الفعلية قد تكون أعلى بكثير.

نزيف الجباية… خسائر تتراكم منذ 2024

الأضرار الميدانية ليست سوى جزء من الأزمة. فالقطاع يعاني أيضاً انهياراً في إيرادات الجباية، إذ تبلغ الخسارة الشهرية الحالية نحو 12.85 مليون دولار، فيما تجاوزت خسائر الجباية المتراكمة منذ حرب عام 2024 نحو 300 مليون دولار، بعدما تم إعفاء عدد كبير من المتضررين من تسديد الفواتير من دون تعويض المؤسسة عن هذه الإيرادات المفقودة.

كما تراجعت الإيرادات بشكل حاد منذ عام 2022 مع توقف شبه كامل للجباية في الجنوب والنبطية والضاحية الجنوبية، قبل أن تسجل انخفاضاً إضافياً بنسبة 20% خلال آذار 2026.

كل كيلوواط يباع بخسارة

تكشف الحسابات المالية عن خلل بنيوي في نموذج التسعير.
فكلفة إنتاج الكيلوواط ساعة ارتفعت إلى نحو 25.04 سنتاً، بينما تتجاوز الكلفة الفعلية مع النقل والتوزيع 31 سنتاً.

في المقابل، يبلغ متوسط التعرفة نحو 27 سنتاً، فيما ينخفض الحد الأدنى إلى 10 سنتات، ما يعني أن المؤسسة لا تزال تبيع جزءاً كبيراً من إنتاجها بأقل من كلفته الحقيقية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار النفط العالمية.

الفيول العراقي… شريان حياة مهدد

تعتمد خطة الطوارئ الحكومية بصورة أساسية على استمرار استيراد الفيول العراقي بكمية تقارب مليون طن متري سنوياً، على أن تتحمل الدولة اللبنانية كلفة الاتفاق خلال أول سنتين.

كما تربط الخطة نجاحها بإلزام الإدارات العامة والبلديات ومؤسسات المياه وسائر الجهات المستفيدة بتسديد الفواتير المتراكمة، في محاولة لإعادة التوازن المالي إلى المؤسسة.

ورغم أن مؤسسة كهرباء لبنان دفعت نحو 43 مليون دولار من مستحقات الفيول العراقي قبل استحقاق نهاية عام 2024، إلا أن استمرار الاتفاق يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على توفير التمويل.

ثلاثة سيناريوهات… وكل ساعة كهرباء لها ثمن

■ وضعت مؤسسة كهرباء لبنان ثلاثة سيناريوهات تشغيلية تمتد حتى نهاية عام 2026.
■ السيناريو الأول يوفر بين 4 و6 ساعات تغذية يومياً بكلفة تبلغ 435 مليون دولار.
■ أما السيناريو الثاني فيرفع التغذية إلى 6 أو 8 ساعات مقابل كلفة تصل إلى 720 مليون دولار.

في حين يتطلب السيناريو الثالث، الذي يؤمن بين 8 و10 ساعات تغذية، أكثر من مليار دولار لتأمين المحروقات وتشغيل أربع مجموعات إنتاج.

وتكشف المقارنة مع ما قبل الأزمة أن كلفة التشغيل تضاعفت تقريباً، ما يعكس حجم الضغوط التي يفرضها ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

190 مليون دولار… فجوة تهدد صيف اللبنانيين

تشير تقديرات المؤسسة إلى أنها تحتاج خلال أشهر الذروة إلى ما بين 112.5 و138 مليون دولار شهرياً لتأمين المحروقات.

لكن في المقابل، لا تتجاوز الإيرادات الحالية 40 مليون دولار، وقد ترتفع في أفضل الأحوال إلى 70 مليون دولار.

وبذلك يتراوح العجز الشهري بين 20 و48.5 مليون دولار، فيما قد يصل العجز التراكمي المتوقع إلى نحو 190 مليون دولار إذا بقيت الظروف الحالية على حالها.

هل ينقذ انخفاض أسعار النفط القطاع؟

رغم سوداوية المشهد، ترى المؤسسة أن تراجع أسعار النفط العالمية قد يخفف جزءاً من الأزمة.

فإذا انخفض سعر الطن إلى نحو 740 دولاراً، يمكن أن تتراجع كلفة المحروقات بشكل كبير، بما قد يحول العجز المالي تدريجياً إلى فائض.

غير أن هذا الاحتمال يبقى رهناً بتقلبات الأسواق العالمية، ولا يشكل حلاً دائماً للأزمة، لأن جوهر المشكلة يكمن في الاختلالات البنيوية التي يعاني منها القطاع منذ سنوات.

اختبار دولة لأكثر القطاعات استنزافاً

تكشف الأرقام أن أزمة الكهرباء في لبنان تجاوزت حدود نقص الفيول أو الأعطال التقنية، لتتحول إلى اختبار لقدرة الدولة على إدارة أحد أكثر القطاعات استنزافاً للمالية العامة. وبين عجز يقترب من 190 مليون دولار، ومستحقات حكومية متراكمة، ونموذج مالي غير متوازن، يبدو أن مستقبل التغذية الكهربائية لم يعد مرهوناً فقط بتشغيل المعامل، بل بإرادة سياسية تترجم إصلاحات فعلية وتمويلاً مستداماً. وحتى يتحقق ذلك، يبقى اللبنانيون أمام صيف مفتوح على كل الاحتمالات… من تقنين قاسٍ إلى عتمة قد تعيد البلاد سنوات إلى الوراء.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والاقتصادي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا