الدولة العميقة تتحرك… هل يكشف “الزفت” محرك الأجندات السياسية في البقاع؟
حين تتحول مشاريع الطرق إلى ساحة نفوذ… من يقرر أين يذهب المال العام؟
خاص – ميديا برس ليبانون #ميديا_برس_ليبانون |لم يعد الجدل في البقاع الغربي وراشيا يدور حول أمتار من الزفت أو مشروع صيانة هنا وهناك، بل انتقل إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بطريقة إدارة الدولة نفسها: هل تخضع مشاريع وزارة الأشغال العامة والنقل لمعايير فنية وإنمائية واضحة، أم أنها تتحول، في بعض الحالات، إلى أدوات لتعزيز النفوذ السياسي وترتيب المشهد الانتخابي؟.
فالخلاف الذي انفجر بين النائب حسن مراد من جهة، ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني والنائب وائل أبو فاعور من جهة أخرى، تجاوز إطار السجال الإعلامي، ليعيد فتح ملف قديم جديد يتعلق بالإنماء المتوازن، وبكيفية توزيع المشاريع العامة في لبنان.
من الزفت إلى السياسة
المشهد الميداني في البقاع أثار كثيراً من علامات الاستفهام لدى المواطنين. ففي الوقت الذي شهدت بلدات عدة في راشيّا ورش تزفيت واسعة، اكتفت قرى عديدة في البقاع الغربي بأعمال محدودة أو ترقيعات لم تعالج واقع الطرق المتدهور، بحسب شكاوى الأهالي. هذا التفاوت ولّد انطباعاً لدى شريحة واسعة بأن توزيع المشاريع لم يكن متوازناً، حتى لو كانت الوزارة تؤكد اعتمادها طلبات البلديات كمعيار للتنفيذ.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل يكفي أن تتقدم بلدية بطلب حتى تحصل على مشروع؟ أم أن هناك معايير إضافية تحدد الأولويات؟ وهل نشرت وزارة الأشغال جدولاً واضحاً يُبيّن أسباب اختيار كل مشروع وحجم الاعتمادات المخصصة له؟.
غياب الإجابات الرسمية يغذي الشكوك أكثر مما يبددها.
مراد: الدولة ليست حزباً
النائب حسن مراد اختار المواجهة المباشرة، معتبراً أن الإنماء المتوازن حق دستوري وليس منّة سياسية. وأكد أن اعتراضه لا يستهدف منطقة بعينها، بل يطالب بعدالة تشمل البقاع كله، داعياً وزير الأشغال إلى التعامل مع جميع البلديات باعتبارها ضمن مسؤوليته المباشرة، بعيداً عن الحسابات السياسية أو الانتخابية.
وفي أحدث مواقفه، وسّع مراد دائرة المطالبة لتشمل البقاع الأوسط أيضاً، مؤكداً أن أعينهم ستبقى على آلية توزيع مشاريع التزفيت للتأكد من تحقيق العدالة بين مختلف المناطق، وأن الإنماء يجب أن يُبنى على حاجات الناس لا على موازين القوى.
بلدية المرج تدخل على الخط
في المقابل، جاء الرد سريعاً من رئيس بلدية المرج عمر حرب، الذي دافع عن وزير الأشغال والنائب وائل أبو فاعور، نافياً وجود أي استنسابية.
وأكد أن المشاريع تنفذ بناءً على طلبات رسمية تتقدم بها البلديات، سواء بصورة مباشرة أو عبر النواب، معتبراً أن تحويل ملف الخدمات إلى مادة للسجال السياسي يسيء إلى الجهود الإنمائية المبذولة.
كما وجّه انتقادات مباشرة إلى النائب حسن مراد، متهماً إياه بازدواجية المعايير، ومشيراً إلى أن القوى السياسية التي كانت تتفاخر سابقاً بجلب المشاريع لا يحق لها اليوم الاعتراض عندما يقوم آخرون بالأمر نفسه.
هل تكفي طلبات البلديات؟
غير أن هذه الرواية تفتح بدورها باباً واسعاً للنقاش. فإذا كانت طلبات البلديات هي الأساس فعلاً، فلماذا لا تنشر الوزارة لوائح كاملة بالطلبات التي وصلتها؟. وكم بلدية تقدمت بطلب ولم تحصل على أي مشروع؟.
وهل توجد لجنة فنية مستقلة تحدد الأولويات وفق نسب الأضرار والكثافة السكانية وحجم الحركة على الطرق، أم أن القرار يبقى خاضعاً للتقدير الإداري والسياسي؟.
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه، بل تمس جوهر الشفافية في إدارة المال العام.
عندما تتحول الخدمات إلى رسائل انتخابية
التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية أظهرت أن الخدمات كثيراً ما استُخدمت لتعزيز الحضور السياسي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
فالطريق المعبدة قد تتحول إلى رسالة سياسية أكثر منها مشروعاً إنمائياً، والزفت قد يصبح وسيلة لإعادة تثبيت الولاءات، فيما يبقى المواطن يبحث عن حقه الطبيعي في بنية تحتية لائقة.
من هنا، يرى مراقبون أن الجدل الحالي يتجاوز خلافاً بين نائب ووزير، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة السلطة المحلية بالإدارة المركزية، وبقدرة الدولة على الفصل بين القرار الإداري والاعتبارات السياسية.
أين الرقابة؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمن حصل على الزفت، بل بمن يراقب توزيعه.
هل قامت أجهزة الرقابة المالية والإدارية بالتدقيق في معايير اختيار المشاريع؟، وهل توجد خطة وطنية معلنة تحدد أولويات الصيانة في جميع المناطق؟، أم أن البلديات ما زالت مضطرة إلى البحث عن “واسطة سياسية” للحصول على حق يفترض أن تكفله الدولة بالتساوي؟.
مشاريع بين غياب الرقابة ورسم النفوذ والولاءات
قد يبدو ملف الزفت تفصيلاً صغيراً في بلد يرزح تحت أزمات مالية واقتصادية وسياسية خانقة، لكنه في الواقع يعكس أزمة أكبر تتعلق بفلسفة إدارة الدولة.
فالإنماء المتوازن لا يتحقق بالشعارات ولا بالبيانات المتبادلة، بل بالشفافية، ونشر المعايير، وإخضاع جميع المشاريع للرقابة والمساءلة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر اللبنانيون إجابته: هل تتحول وزارة الأشغال إلى وزارة لكل اللبنانيين وفق معايير معلنة وعادلة، أم يبقى الزفت في لبنان مرآةً للصراع السياسي، وأداةً لإعادة رسم خرائط النفوذ والولاءات؟.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات السياسية



اترك تعليقًا