بالاسماء والأفعال: الضمان يرفع سيفه بوجه المستشفيات… مهل وإنذارات وفسخ عقود

كركي يمنح كبار المستشفيات مهلة حتى 31 آب… إنذارات بوقف السلفات وصولًا إلى فسخ العقود، و«كليمنصو» و«سيدة لبنان» خارج شبكة التعاقد

خاص – ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون | لم يعد ملف الفروقات الاستشفائية مجرد شكاوى يتناقلها المرضى في أروقة المستشفيات، ولا خلافًا محاسبيًا بين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمؤسسات الاستشفائية.

ففي خطوة تصعيدية لافتة، انتقل الصندوق إلى استخدام أدواته القانونية والتعاقدية في مواجهة مستشفيات اتهمها بمخالفة التعرفات الرسمية وفرض فروقات مالية مرتفعة وغير مبررة على المرضى المضمونين.

واللافت أن الإجراءات لم تبقَ في إطار التحذير العام، بل حملت أسماء مستشفيات محددة، ومهلًا زمنية، وإنذارات، وتهديدًا بوقف السلفات وصولًا إلى فسخ العقود.

وفي قرار صادر في 6 آب 2026، رسم المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي محمد كركي مسارًا تصعيديًا يبدأ بتصحيح المخالفات ولا ينتهي، عند عدم الالتزام، باستمرار التعاقد.

المهلة الحاسمة: 31 آب

بعد مسح رقابي شمل عددًا واسعًا من المستشفيات، خلص الصندوق إلى وجود تفاوت في مستوى الالتزام بالتعرفات والإجراءات المعتمدة.

وفي حين أظهر المسح التزام عدد كبير من المؤسسات الاستشفائية، بقيت مستشفيات أخرى، بينها مؤسسات جامعية وكبرى، موضع ملاحظات بسبب استيفاء فروقات مالية من المضمونين.

وبناءً عليه، حدد الصندوق 31 آب 2026 موعدًا نهائيًا أمام مجموعة من المستشفيات لتصحيح أوضاعها.

وتشمل هذه المجموعة:

– الجامعة الأميركية في بيروت
– مستشفى رزق
– أوتيل ديو
– القرطباوي
– سان جون الجامعي
– مركز كسروان الطبي
– سان شارل
والمهلة هنا ليست تفصيلًا إداريًا.

فوفق الإجراءات المعلنة، فإن عدم تصحيح المخالفات قد يفتح الباب أمام تدابير أشد، بما فيها الإجراءات القانونية والتعاقدية التي يملكها الصندوق.

المجموعة الثانية: إنذارات… والسلفات تحت المجهر

أما المجموعة الثانية، فقد تعامل معها الصندوق بلهجة أكثر تشددًا، عبر توجيه إنذارات مرتبطة باستمرار المخالفات، مع التلويح بوقف السلفات وصولًا إلى فسخ العقود.

وتضم:

– اللبناني الجعيتاوي
– المقاصد
– مركز لبنان الطبي
– الأرز
– سيدة مارتين
– سيدة المعونات الجامعي
– النيني
– الشمال الاستشفائي
– مظلوم الجديدة
– الإسلامي
– ألبير هيكل
– الشيخ خلف الحبتور
– الشرق الأوسط الصحي
وهنا يدخل الملف منطقة أكثر حساسية.

فوقف السلفات لا يعني فقط خلافًا إداريًا بين الضمان والمستشفى، بل يمكن أن يتحول إلى ضغط مالي مباشر على المؤسسة الاستشفائية، خصوصًا في ظل الأزمة المالية التي يعانيها القطاع الصحي أصلًا.

وبالتالي، فإن رسالة الصندوق تبدو واضحة: التعاقد مع الضمان ليس امتيازًا بلا شروط، والسلفات مرتبطة بالالتزام بالتعرفات والأنظمة المعتمدة.

فسخ نهائي: كليمنصو وسيدة لبنان

أما الإجراء الأكثر حسمًا، فتمثل بإعلان الصندوق فسخ التعاقد نهائيًا مع مركز كليمنصو الطبي ومستشفى سيدة لبنان.
وهنا انتقل الملف من مرحلة الإنذار إلى مرحلة التنفيذ.
فالفسخ يعني عمليًا انتهاء العلاقة التعاقدية مع الصندوق، ويشكّل أقسى إجراء يمكن أن يصل إليه المسار التعاقدي في هذا الملف.

ويكشف ذلك أن إدارة الضمان لا تتعامل مع القضية باعتبارها مجرد ملاحظات تقنية قابلة للتأجيل، بل باعتبارها ملفًا يمس مباشرة حقوق المضمونين وقدرتهم على الحصول على الخدمة الاستشفائية ضمن التعرفات المحددة.

المرضى في قلب المعركة

خلف كل هذه الأسماء والإجراءات يوجد طرف ثالث غالبًا ما يدفع ثمن الخلافات بين المؤسسات الاستشفائية والجهات الضامنة: المريض.

فالمضمون الذي يدخل إلى المستشفى لا يملك دائمًا القدرة على معرفة ما الذي يغطيه الضمان وما الذي يفترض أن يدفعه، ولا يستطيع في كثير من الحالات التفاوض مع المستشفى وهو في وضع صحي طارئ.

وعندما تتحول الفروقات إلى مبالغ كبيرة، يصبح السؤال أكبر من مجرد مخالفة مالية:

من يحمي المضمون من أن يتحول المرض إلى فاتورة لا يستطيع دفعها؟

وهنا تكمن أهمية التشدد الرقابي الذي يطالب به الضمان.

فالغاية ليست فقط ضبط دفاتر المستشفيات، بل منع تحميل المريض فروقات تتجاوز ما تسمح به التعرفات والأنظمة.

«أسباب تقنية»… هل تكفي لتبرير الفروقات؟

في المقابل، بررت بعض المؤسسات المخالفات بأسباب تقنية، من بينها عدم تحديث أنظمتها المعلوماتية بما يتلاءم مع التعرفات الجديدة.

لكن موقف الصندوق، وفق المعطيات المعلنة، كان حاسمًا: المشكلات التقنية لا تعفي المؤسسة من مسؤولية تطبيق التعرفات المعتمدة وعدم تحميل المضمون فروقات غير مبررة.

وهنا تبرز نقطة إدارية مهمة.

فإذا كانت التعرفات الجديدة معروفة، فإن تحديث النظام المعلوماتي للمستشفى ليس مسؤولية المريض.

وإذا حدث خلل تقني أدى إلى احتساب مبالغ إضافية، فإن السؤال يصبح: هل يتم تصحيح الخطأ وإعادة الأموال إلى أصحابها؟.

وهل توجد آلية واضحة للمضمون كي يعترض ويستعيد أي مبلغ تم استيفاؤه منه بصورة مخالفة؟.

كركي يرفع سقف المواجهة

المدير العام للصندوق محمد كركي اختار هذه المرة الانتقال من سياسة التنبيه إلى سياسة الإجراءات.

المعادلة التي يطرحها الضمان تبدو بسيطة:

التعرفة الرسمية يجب أن تُحترم، والمضمون لا يجب أن يتحول إلى الحلقة الأضعف في العلاقة بين الضمان والمستشفى.

وبالتالي، فإن مهلة 31 آب ليست مجرد موعد إداري.

إنها اختبار لقدرة المؤسسات المعنية على تصحيح أوضاعها.

وإذا انتهت المهلة من دون معالجة المخالفات، فإن الصندوق لوّح باتخاذ تدابير قانونية وتعاقدية أكثر صرامة.

السؤال الأصعب: من يدفع ثمن الأزمة الصحية؟

لكن وراء المواجهة الحالية أزمة أعمق.

فالمستشفيات اللبنانية نفسها تواجه ارتفاعًا كبيرًا في كلفة التشغيل، وأجور العاملين، والمستلزمات الطبية، والأدوية، والصيانة والطاقة.

وفي المقابل، يعاني المضمون من انهيار قدرته الشرائية.

والضمان نفسه يعمل في بيئة مالية صعبة.

وهكذا يجد القطاع الصحي نفسه أمام مثلث ضاغط:

مستشفى يريد تغطية كلفته، وضمان يريد الالتزام بالتعرفات، ومريض لا يستطيع دفع فروقات كبيرة.

والخطر أن يتحول الصراع بين الأطراف الثلاثة إلى أزمة يدفع ثمنها المريض في النهاية.

لذلك، فإن ضبط الفروقات ضروري، لكنه لا يكفي وحده.

المطلوب أيضًا معالجة الفجوة بين الكلفة الحقيقية للاستشفاء وبين التعرفات الرسمية، بما يحفظ حق المستشفى في الاستمرار وحق المضمون في الحصول على الرعاية من دون الوقوع تحت عبء مالي لا يستطيع تحمله.

ماذا بعد 31 آب؟

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المهلة.

هل ستلتزم المستشفيات المعنية؟

هل ستُوقف الفروقات غير المبررة؟

هل سيعيد بعضها تنظيم أنظمته المعلوماتية؟

وهل سينفذ الضمان تهديداته بوقف السلفات أو فسخ العقود إذا استمرت المخالفات؟

هذه الأسئلة ستكون محور المتابعة خلال الأسابيع المقبلة.

لكن الأهم أن ملف المستشفيات لم يعد قابلًا للمعالجة عبر البيانات العامة فقط.

فالضمان دخل مرحلة التسمية والإجراء والمحاسبة التعاقدية.

من مهلة، إلى إنذار، إلى وقف سلفات، وصولًا إلى فسخ العقد.

الخلاصة: عندما يصبح المريض خطًا أحمر

في بلد أنهكت الأزمة الاقتصادية قدرته على الاستشفاء، لم يعد مقبولًا أن يتحول المريض إلى الحلقة الأضعف في منظومة متشابكة من الكلفة والتعرفة والفروقات.

ومن هنا تأتي أهمية إجراءات الضمان الأخيرة.

فإذا كان المستشفى يواجه أزمة مالية حقيقية، فالحل يجب أن يكون عبر معالجة التعرفات والكلفة والتمويل، لا عبر تحميل المريض وحده الفاتورة.

وإذا كان هناك خلل تقني، فيجب إصلاحه.

وإذا كانت هناك فروقات غير مبررة، فيجب وقفها.

وإذا كانت هناك مخالفات مثبتة، فالمحاسبة يجب أن تطال الجهة المسؤولة، لا المريض.

أما الرسالة التي خرجت من قرار 6 آب فهي الأكثر وضوحًا:

العقد مع الضمان مسؤولية قبل أن يكون مصدر تمويل، والتعرفة الرسمية ليست وجهة نظر، والمضمون ليس صندوقًا مفتوحًا لتغطية فجوات القطاع الصحي.

وبين الجامعة الأميركية ورزق وأوتيل ديو والقرطباوي وسان جون ومركز كسروان الطبي وسان شارل من جهة، والجعيتاوي والمقاصد ومركز لبنان الطبي والأرز وسيدة مارتين وسيدة المعونات والنيني والشمال الاستشفائي ومظلوم الجديدة والإسلامي وألبير هيكل والشيخ خلف الحبتور والشرق الأوسط الصحي من جهة أخرى، وصولًا إلى كليمنصو وسيدة لبنان اللذين أُعلن فسخ التعاقد معهما، تبدو خريطة المواجهة واضحة.

لكن الحكم النهائي لن يصدر من البيانات.

سيصدر في 31 آب… عندما يتبين من صحّح أوضاعه، ومن بقي على المخالفة، ومن دفع الثمن في النهاية: المستشفى، الضمان، أم المريض.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا