«قانون إعلام لا يشبه الإعلام»… المجلس الوطني يفتح النار على مشروع لجنة الإدارة والعدل
عبد الهادي محفوظ: مشروع القانون الحالي يهمّش الإعلاميين ويوسّع التجريم ويضع الإعلام الإلكتروني أمام أصحاب الأموال
ميديا برس ليبانون
■ عبدالهادي محفوظ
#ميديا_برس_ليبانون |دخل مشروع قانون الإعلام الجديد مرحلة مواجهة مفتوحة بين مؤسسات رسمية معنية بالقطاع الإعلامي والجهات التي شاركت سابقاً في صياغة مشروع إصلاحي كان يفترض أن يعيد تنظيم المشهد الإعلامي اللبناني على قاعدة حماية الحريات وتحديث التشريعات.
وفي موقف تصعيدي، اعتبر المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، برئاسة عبد الهادي محفوظ، أن المشروع الذي أقرته لجنة الإدارة والعدل ويُناقش في مجلس النواب «لا يشبه الإعلام ولا الإعلاميين»، محذراً من أن يؤدي إلى تهميش أهل الاختصاص، وتوسيع دائرة الملاحقات الجزائية، وفرض قيود جديدة على الإعلام الإلكتروني.
المجلس طالب رئيس مجلس النواب نبيه بري والنواب بإجراء مقارنة بين المشروع الحالي ومشروع قانون سابق أعدته اللجنة البرلمانية للإعلام قبل أكثر من ست سنوات، معتبراً أن الأخير كان نتاج نقاش لبناني موسع مع خبراء الإعلام ونقابتي الصحافة والمحررين والمجلس الوطني للإعلام، فيما يصف المشروع الحالي بأنه نتاج إعداد خبير كندي بالتعاون مع فرع اليونسكو في لبنان.
مشروعان… ورؤيتان مختلفتان للإعلام
جوهر الاعتراض، وفق بيان المجلس الوطني، لا يتعلق بمجرد تعديلات تقنية في مواد قانونية، بل باختلاف في فلسفة تنظيم الإعلام نفسه.
المشروع الذي أُعد سابقاً، بحسب المجلس، كان يهدف إلى تحديث قانون الإعلام المرئي والمسموع، ولا سيما القانون 94/382، لمواكبة التطورات التقنية والإعلامية، مع تعزيز صلاحيات المجلس الوطني للإعلام وتحويلها من استشارية إلى تقريرية.
وكان الهدف، وفق البيان، الانتقال من نظام يسمح بالاستنسابية والحمايات السياسية والطائفية إلى نظام مؤسساتي قائم على قواعد واضحة وصلاحيات محددة.
أما المشروع الحالي، فيرى المجلس أنه لا يعالج هذه الإشكاليات بالقدر الكافي، بل يفتح الباب أمام تعقيدات جديدة في تشكيل الهيئة الإعلامية وآليات محاسبة المؤسسات والإعلاميين.
لماذا يريد المجلس صلاحيات تقريرية؟
المجلس الوطني للإعلام يعتبر أن تجربته السابقة أظهرت محدودية الصلاحيات الاستشارية، التي جعلت دوره عاجزاً عن متابعة الأداء الإعلامي بصورة فاعلة.
ولهذا، كان المشروع السابق يقترح توسيع صلاحيات المجلس ومنحه قدرة تقريرية، مع توسيع مشاركة أصحاب الخبرة الإعلامية والقانونية والهندسية في عضويته.
الفكرة، بحسب المجلس، هي أن تكون الكفاءة والخبرة معياراً أساسياً في إدارة القطاع، لا التوازنات السياسية وحدها.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط الخلاف مع المشروع الجديد، الذي يقول المجلس إنه يضع آلية تعيين لا تعطي الكفاءة الإعلامية الدور الذي تستحقه.
الإعلام اللبناني… صناعة أم ساحة نفوذ؟
البيان لا يتوقف عند الجانب التشريعي، بل يفتح ملفاً اقتصادياً شديد الحساسية: تمويل الإعلام اللبناني.
فبحسب المجلس، فإن مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية، ولا سيما التلفزيونية والإذاعية، محدودة، فيما لم تعد عائدات الإعلان والإنتاج الدرامي كافية لتغطية كلفة مؤسسة إعلامية كبيرة في ظل الأزمة الاقتصادية.
ويرى المجلس أن هذه المعادلة دفعت، عملياً، إلى زيادة ارتباط بعض المؤسسات بمصادر تمويل خارجية وإقليمية.
ومن هنا جاء اقتراح المشروع السابق، بحسب البيان، فتح المجال أمام رساميل عربية وصديقة للاستثمار في المؤسسات الإعلامية اللبنانية، شرط خضوعها للقانون اللبناني والرقابة القانونية.
الهدف لم يكن، وفق المجلس، إدخال المال إلى الإعلام فقط، بل تحويل لبنان إلى مركز إعلامي إقليمي واستعادة موقعه التاريخي في المنطقة.
ويشير البيان إلى دراسات وتوقعات تحدثت عن إمكانية إنشاء مدينة إعلامية في لبنان تدر مليارات الدولارات وتوفر آلاف فرص العمل، إضافة إلى استعادة الكفاءات الإعلامية اللبنانية الموجودة في الخارج.
السؤال الأصعب: من يمول الإعلام إذا لم يكن القانون واضحاً؟
هنا تنتقل القضية من التشريع إلى الأمن السياسي للإعلام.
فالإعلام الذي لا يمتلك نموذجاً اقتصادياً مستقلاً يصبح عرضة للارتهان لمصادر تمويل سياسية أو إقليمية.
والمعادلة، بحسب المجلس الوطني، واضحة:
إعلام بلا تمويل مستدام = إعلام يبحث عن ممول.
وعندما يصبح الممول هو صاحب القرار الفعلي، تصبح حرية الإعلام معرضة للخطر حتى لو بقيت النصوص القانونية تتحدث عن حرية التعبير.
لذلك يعتبر المجلس أن إصلاح قانون الإعلام يجب ألا يقتصر على تحديد العقوبات، بل يجب أن يعالج أيضاً البيئة الاقتصادية التي تنتج الإعلام.
الإعلام الإلكتروني… من حق الجميع إلى امتياز للأغنياء؟
أخطر الاعتراضات التي يطرحها المجلس تتعلق بالإعلام الإلكتروني.
فالبيان يعتبر أن الإعلام الرقمي هو إعلام المستقبل، وأن الهاتف الذكي حوّل كل شخص تقريباً إلى منتج للمعلومة وموزع لها.
لكن المجلس يحذر من أن المشروع الجديد، وفق قراءته، قد يضع شروطاً وعوائق تجعل تأسيس المنصات الإعلامية الإلكترونية أكثر صعوبة، بما يؤدي إلى إخراجها من متناول أصحاب الإمكانات المحدودة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نريد إعلاماً إلكترونياً مفتوحاً أمام الصحافي الشاب والمبادرة الفردية، أم إعلاماً لا يستطيع تأسيسه إلا أصحاب رؤوس الأموال؟.
بالنسبة إلى المجلس الوطني، فإن التنظيم مطلوب، ولا سيما في ما يتعلق بصحة المعلومات ودقتها والابتعاد عن الأخبار الكاذبة والإشاعات والإثارة، لكن التنظيم لا يجب أن يتحول إلى حاجز أمام حرية إنشاء المنصات الإعلامية.
التجريم… أين ينتهي القانون وتبدأ الرقابة؟
من أكثر النقاط حساسية في بيان المجلس اعتراضه على ما يعتبره توسيعاً لدائرة الملاحقة الجزائية بحق المؤسسات الإعلامية والإعلاميين عبر مواد التجريم.
وهذه النقطة تستحق نقاشاً تشريعياً واسعاً، لأن أي قانون إعلامي حديث يفترض أن يوازن بين حق المجتمع في الحصول على معلومات دقيقة وحق الصحافي في العمل بحرية، وبين محاسبة المخالفات من دون تحويل القانون إلى أداة ضغط على المؤسسات الإعلامية.
وكان المشروع السابق، وفق المجلس، قد اقترح معالجة مختلفة تقوم على تعزيز الغرامات المالية، وإنشاء محكمة إعلامية، ومنع التوقيف الاحتياطي للصحافيين.
وهي مقاربة تقول إن المخالفة الإعلامية ينبغي أن تعالج ضمن إطار قانوني متخصص، لا من خلال توسيع دائرة العقوبات الجزائية.
لماذا غاب المجلس الوطني عن جلسات لجنة الإدارة والعدل؟
في ختام بيانه، يطرح المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع سؤالاً سياسياً مباشراً:
لماذا لم تتم دعوته إلى كل جلسات المناقشة في لجنة الإدارة والعدل؟.
السؤال يتجاوز مسألة بروتوكولية.
فالمجلس مؤسسة رسمية معنية مباشرة بالإعلام المرئي والمسموع، وبالتالي فإن استبعاده من نقاش قانون ينظم القطاع الذي يتولى متابعته يفتح باباً مشروعاً للنقاش حول مدى شمولية العملية التشريعية.
إذا كان الهدف إنتاج قانون عصري للإعلام، فهل يمكن أن يكتمل النقاش من دون إشراك الجهات المهنية والمؤسساتية المعنية مباشرة بتطبيقه؟
بين «الصناعة اللبنانية» و«الخبير الكندي»
المجلس الوطني يستخدم في بيانه تعبيراً شديد الدلالة عندما يصف المشروع السابق بأنه «صناعة لبنانية مستقلة»، في مقابل المشروع الحالي الذي ينسب إعداده إلى خبير كندي بالتعاون مع فرع اليونسكو في لبنان.
المشكلة هنا ليست في جنسية الخبير بحد ذاتها، فالقوانين الحديثة يمكن أن تستفيد من الخبرات الدولية.
لكن السؤال هو: إلى أي مدى يستطيع نموذج تشريعي مستورد أو مستند إلى خبرة خارجية أن يلامس التعقيدات السياسية والطائفية والاقتصادية والإعلامية اللبنانية؟.
لبنان ليس مجرد سوق إعلامية.
إنه بلد يتميز بتعددية إعلامية وسياسية وطائفية واسعة، وبوجود مؤسسات تلفزيونية وإذاعية وصحافة مكتوبة ومنصات رقمية وشبكات إعلامية ذات امتدادات سياسية وإقليمية.
لذلك، فإن أي قانون للإعلام يحتاج إلى أن يفهم الواقع اللبناني أولاً قبل أن يستنسخ تجارب خارجية.
المواجهة الحقيقية ليست بين مشروعين… بل بين نموذجين للإعلام
في خلفية هذا السجال يقف سؤال أكبر:
أي إعلام يريد لبنان؟
إعلام تتحكم به التوازنات السياسية والمال الإقليمي؟
أم إعلام قادر على بناء صناعة اقتصادية مستقلة؟
إعلام يضمّن الكفاءة المهنية في هيئاته الناظمة؟
أم هيئات يغلب عليها التوازن السياسي؟
إعلام إلكتروني مفتوح أمام الشباب والمبادرات الصغيرة؟
أم قطاع يحتاج إلى رأس مال كبير للدخول إليه؟
وقانون يحمي الصحافي من التوقيف ويحاسبه عبر قضاء متخصص؟
أم قانون يوسع دائرة التجريم والملاحقة الجزائية؟
هذه الأسئلة هي جوهر المعركة الحقيقية حول قانون الإعلام.
لبنان أمام فرصة… أو أمام قانون جديد يضيف مشكلة إلى مشاكل الإعلام
لبنان الذي كان يُقدَّم لعقود باعتباره مساحة متقدمة للحريات الإعلامية في المنطقة يواجه اليوم تحدياً مزدوجاً.
الأزمة الاقتصادية أضعفت المؤسسات الإعلامية.
التمويل السياسي والإقليمي زاد حساسية استقلالية القرار الإعلامي.
التحول الرقمي هزّ النموذج التقليدي.
والذكاء الاصطناعي والمحتوى السريع جعلا مواجهة الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة أكثر إلحاحاً.
في هذا المشهد، يحتاج لبنان إلى قانون إعلام يحمي الحرية ويضبط الفوضى من دون أن يقتل الحرية نفسها.
أما إذا تحول التشريع إلى مجموعة من القيود والعقوبات وشروط الدخول إلى القطاع، فقد تكون النتيجة قانوناً ينظم الإعلام على الورق، لكنه يضعف تعدديته على الأرض.
ولهذا فإن دعوة المجلس الوطني للإعلام إلى مقارنة المشروعين تستحق نقاشاً عاماً لا يقتصر على مجلس النواب.
فالقضية ليست ملك النواب وحدهم.
إنها قضية كل صحافي ومؤسسة إعلامية ومنصة إلكترونية ومواطن يريد أن يعرف الحقيقة.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يجب أن يجيب عنه المجلس النيابي قبل إقرار القانون: هل نريد قانوناً يحمي الإعلام من الفوضى… أم قانوناً يحمي السلطة من الإعلام؟.
■ رئيس المجلس الوطني للإعلام
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم الحريات والإعلام



اترك تعليقًا