كولوكيوم الطب في لبنان: امتحان عمره 67 عاماً يعود فجأة إلى الواجهة… والطلاب يدفعون ثمن «القرار المتأخر»؟

كولوكيوم الطب في لبنان: امتحان عمره 67 عاماً يعود فجأة إلى الواجهة… والطلاب يدفعون ثمن «القرار المتأخر»؟

التربية تستند إلى مرسوم 1959: الامتحان السريري إلزامي… والحشيمي يسأل: لماذا الآن؟

ميديا برس ليبانون

#ميديا_برس_ليبانون |عاد امتحان الكولوكيوم في الطب العام إلى واجهة الجدل في لبنان، بعدما قررت وزارة التربية والتعليم العالي إخضاع الناجحين في الامتحانين الخطي والشفهي لدورة 2026 إلى امتحان سريري، في خطوة تقول الوزارة إنها ليست قراراً جديداً، بل تطبيق لنص قانوني يعود إلى عام 1959.

وبين النص القانوني والتنفيذ المتأخر، وجد مئات الطلاب أنفسهم أمام معادلة لم تكن واضحة بالنسبة إليهم عند خوض الامتحانات: هل نحن أمام تطبيق طبيعي للقانون، أم أمام إجراء كان يفترض الإعلان عنه والتحضير له قبل بدء دورة الامتحانات؟

الوزارة تقول إن الجواب الأول هو الصحيح.

أما عضو لجنة التربية والتعليم العالي النائب بلال الحشيمي، فيطرح السؤال الثاني، معتبراً أن المشكلة ليست في مبدأ الامتحان السريري، بل في توقيت القرار وآلية إبلاغ الطلاب به.

ماذا تقول الوزارة؟

المديرية العامة للتعليم العالي أوضحت أن إخضاع الطلاب الناجحين في الامتحانين الخطي والشفهي للامتحان السريري يستند إلى الفقرة الثالثة من المادة 12 من نظام امتحانات الكولوكيوم المنصوص عليه بالمرسوم الرقم 1527 الصادر في 15 حزيران 1959.

وبحسب الوزارة، فإن عدم إجراء الامتحان السريري خلال العقود الماضية لم يكن نتيجة إلغاء هذا الامتحان أو سقوط النص القانوني، بل ارتبط بعدم جهوزية الجامعات ومراكز الامتحانات لإجرائه.

لكن الوزارة تعتبر أن الظروف تغيرت.

فجميع الجامعات اللبنانية التي تدرس الطب العام باتت تعتمد، وفق بيان المديرية، نموذجاً دولياً للامتحان السريري يعرف باسم OSCE، وقد أصبح طلاب الطب يخضعون لهذا النوع من التقييم خلال دراستهم.

من هنا، ترى الوزارة أن الظروف باتت مؤاتية للانتقال إلى التطبيق الفعلي للامتحان السريري في الكولوكيوم.

OSCE: من امتحان جامعي إلى بوابة لمزاولة المهنة

المسألة ليست تقنية فقط.

الامتحان السريري يختلف جوهرياً عن الامتحانين الخطي والشفهي، لأنه يختبر قدرة الطبيب على التعامل مع الحالات السريرية، واتخاذ القرار، والتواصل مع المريض، وتطبيق المعرفة الطبية عملياً.

وهذا تحديداً ما تستند إليه الوزارة في دفاعها عن القرار، معتبرة أن النجاح في الكولوكيوم يجب ألا يثبت المعرفة النظرية فقط، بل امتلاك الطبيب الكفايات الإكلينيكية اللازمة لممارسة المهنة.

وبهذا المعنى، فإن الوزارة لا تقدم الامتحان السريري كعقبة إضافية أمام الطلاب، بل كمرحلة ضرورية لرفع مستوى الكولوكيوم وتعزيز صدقيته، وهو مطلب تقول إن نقابة الأطباء والمجتمع الطبي ووزارة الصحة العامة طالما نادوا به.

لكن يبقى السؤال: إذا كان الامتحان ضرورياً إلى هذه الدرجة، فلماذا انتظر تطبيقه أكثر من ستة عقود؟

1959… لماذا الآن؟

هنا تقع نقطة الاشتباك الأساسية.

الحشيمي لا يعترض على تطوير الكولوكيوم ولا على رفع مستوى المهنة الطبية.

بل يسأل عن التوقيت.

فإذا كان الامتحان السريري منصوصاً عليه منذ عام 1959، لماذا لم يطبق طوال العقود السابقة؟

وإذا كانت الجامعات ومراكز الامتحان غير جاهزة، متى أصبحت جاهزة تحديداً؟

وهل أُبلغ الطلاب قبل التسجيل في دورة 2026 بأن النجاح في الامتحانين الخطي والشفهي لن يكون كافياً، وأن مرحلة سريرية إضافية ستُفرض عليهم؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً إدارياً، لأن الطالب اتخذ قراراته الأكاديمية والمهنية والسفر والإقامة على أساس روزنامة امتحانات محددة.

الوزارة نفسها تقر بوجود الإرباك

المفارقة اللافتة أن وزارة التربية نفسها أقرت بأن اعتماد الامتحان السريري في هذه السنة «سبب للبعض صعوبات معينة أو أحدث إرباكاً في خططهم».

ولمعالجة هذه المشكلة، أعلنت عن آلية استثنائية.

سيتمكن كل طالب من الحصول على إفادة بنتائج الامتحانات الخطية والشفهية التي أجريت صيف 2026، ثم المشاركة في الامتحان السريري ضمن جدول زمني مرن.

لكن المرونة التي تقدمها الوزارة كحل، يقرأها المعترضون باعتبارها دليلاً على أن التطبيق لم يكن محضّراً له بما يكفي.

فالوزارة حددت أكثر من فرصة:

– الامتحان الأول في 5 أيلول 2026.
– امتحان آخر في كانون الأول 2026.
– امتحان استثنائي خلال 2027.

كما أعلنت استعدادها للنظر في طلبات إجراء الامتحان في مواعيد تناسب الطلاب العائدين إلى لبنان لفترات مؤقتة، شرط توافر المقاعد واللجان الطبية والفرق الفنية.

وهنا يظهر سؤال جديد: إذا كان النظام جاهزاً فعلاً، فلماذا تحتاج الوزارة إلى هذه المرونة الاستثنائية منذ السنة الأولى للتطبيق؟.

الطلاب بين لبنان والخارج

القضية لا تتعلق فقط بطلاب يقيمون في لبنان.

هناك أطباء وطلاب طب مرتبطون بجامعات أو برامج تدريب أو أعمال خارج البلاد، وبعضهم يخطط للعودة إلى لبنان في فترات محددة.

ولهذا أعلنت المديرية أنها ستسعى إلى اختيار مواعيد تقع ضمن الفترات التي تكون عادةً عطلًا في كثير من دول العالم، كما فتحت الباب أمام مراجعات خطية موثقة بإفادات ومراسلات مع الجامعات.

هذه الخطوة تخفف جزءاً من المشكلة، لكنها لا تجيب عن السؤال الأساسي:

هل كان ينبغي إبلاغ الطلاب بكل هذه المتطلبات قبل دخولهم دورة الامتحان، لا بعد اجتيازهم مرحلتيها الأولى والثانية؟

الحشيمي: المشكلة ليست في الامتحان بل في الإدارة

الحشيمي يضع الملف في سياق أوسع، معتبراً أن ما يحصل مع طلاب الطب ليس حالة منفصلة عن أداء المديرية العامة للتعليم العالي.

ويشير إلى ما يصفه بتأخر ملفات المعادلات، وتبدل الشروط والاجتهادات، وتعقيد معاملات الطلاب.

وبحسب موقفه، فإن المشكلة الأساسية هي نهج إداري يرى أنه يربك الطلاب بدلاً من تسهيل شؤونهم.

ويقول إن تطوير الكولوكيوم أمر مطلوب، لكن لا يجوز أن يدخل الطالب الامتحان وفق شروط معلنة ثم يكتشف لاحقاً وجود مرحلة إضافية لم تكن واضحة عند التسجيل.

ويرى أن الاعتراف الرسمي بوجود «صعوبات وإرباك» ثم فتح مواعيد تمتد من أيلول إلى كانون الأول وصولاً إلى 2027، يؤكد، من وجهة نظره، أن القرار لم يُحضّر له بالشكل المطلوب.

المواجهة الحقيقية: القانون أم مبدأ الاستقرار الإداري؟

المفارقة هنا أن الطرفين قد يكونان على حق، ولكن في مستويين مختلفين.

الوزارة تملك حجة قانونية: النص موجود منذ 1959، ولم يُلغَ، والامتحان السريري جزء من النظام.

لكن الطلاب يملكون حجة إدارية وحقوقية: وجود النص لا يعني بالضرورة أن طريقة تطبيقه وتوقيته لا تحتاج إلى إعلان مسبق وتنظيم واضح وانتقال تدريجي.

وهنا يجب التمييز بين سؤالين:

هل الامتحان السريري قانوني؟

بحسب الوزارة، نعم.

وهل كان تطبيقه على دورة 2026 منظماً ومعلناً مسبقاً بما يكفي؟

هذا هو السؤال الذي لا تحسمه الإحالة إلى مرسوم 1959 وحدها.

أين كانت الدولة طوال العقود الماضية؟

إذا كانت الدولة تعتبر أن الامتحان السريري أساسي لضمان كفاءة الطبيب، فإن عدم تطبيقه طوال عقود يفتح بدوره ملفاً أكثر حساسية.

هل كانت الدولة تسمح طوال هذه السنوات بنظام كولوكيوم لا يكتمل فيه التقييم السريري؟

وهل يعني ذلك أن أطباء اجتازوا الكولوكيوم في السنوات الماضية حصلوا على ترخيص استناداً إلى نظام كانت الدولة نفسها تعتبره، وفق منطقها الحالي، بحاجة إلى مرحلة سريرية إضافية؟

وإذا كان عدم التطبيق سببه عدم جهوزية الجامعات، فمن المسؤول عن تأمين هذه الجهوزية؟

هذه ليست أسئلة موجهة ضد الامتحان السريري، بل أسئلة حول مسؤولية الدولة عن إدارة النظام الأكاديمي والمهني بصورة مستقرة وقابلة للتوقع.

المشكلة أعمق من امتحان

قضية الكولوكيوم تكشف مشكلة لبنانية متكررة: القوانين موجودة، لكن تطبيقها قد يتوقف لعقود، ثم تعود الدولة فجأة إلى تطبيقها عندما تتغير الظروف.

في هذه المنطقة الرمادية، يدفع الطلاب الثمن.

طالب أمضى سنوات في دراسة الطب، ثم سنوات في التدريب، ثم دخل امتحانات الكولوكيوم، لا يفترض أن يعرف في اللحظة الأخيرة أن هناك مرحلة إضافية ستحدد مستقبله المهني.

وفي المقابل، لا تستطيع الدولة أن تتخلى عن مسؤوليتها في ضمان أن الطبيب الذي يحصل على حق ممارسة المهنة يمتلك الكفاءة السريرية المطلوبة.

المعادلة الصحيحة إذاً ليست إلغاء الامتحان أو فرضه بصورة مفاجئة.

بل وضع نظام واضح، معلن، مستقر، ومطبق على الجميع، مع فترة انتقالية عادلة لمن بدأوا مسارهم على قواعد مختلفة.

المطلوب: كشف كامل لا سجال سياسي

إذا أرادت وزارة التربية إغلاق باب الجدل، فإن أفضل وسيلة ليست البيانات المتبادلة، بل الشفافية الكاملة.

المطلوب نشر:

1. النص القانوني الكامل الذي يستند إليه الامتحان السريري.
2. القرارات التي حالت دون تطبيقه طوال العقود الماضية.
3. تاريخ اتخاذ قرار إعادة تفعيله.
4. تاريخ إبلاغ الجامعات والطلاب به.
5. آلية امتحان OSCE ومعايير النجاح والرسوب.
6. عدد المقاعد المتاحة في كل دورة.
7. أسماء أو صفات اللجان الطبية الفاحصة وآلية اختيارها.
8. الجدول الزمني الكامل للامتحانات.
9. آلية التعامل مع الطلاب المقيمين خارج لبنان.
10. الضمانات التي تمنع اختلاف المعايير بين دورة وأخرى.

عندها فقط ينتقل النقاش من اتهام سياسي إلى نقاش مؤسساتي قابل للتدقيق.

امتحان ضروري… لكن الإدارة لا يجوز أن تكون امتحاناً للطلاب

قد يكون الامتحان السريري خطوة ضرورية لتطوير كولوكيوم الطب وضمان الكفاءة السريرية للأطباء.

وقد يكون تطبيقه مستنداً بالفعل إلى نص قانوني قديم لم يُلغَ.

لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الدولة عن وضوح القرار، وحسن توقيته، وإبلاغ الطلاب، وتأمين الجهوزية، وتوفير انتقال عادل بين نظامين مختلفين.

فالطالب ليس مسؤولاً عن أن الدولة لم تطبق نصاً طوال عقود.

والطبيب الشاب ليس من حقه أن يدفع ثمن التأخر الإداري.

وفي المقابل، المريض اللبناني ليس من حقه أن يكون الحلقة الأضعف في أي نظام يسمح لطبيب بممارسة المهنة من دون تقييم سريري فعلي إذا كان القانون يفرض هذا التقييم.

لذلك، فإن القضية الحقيقية ليست:

«هل نريد امتحاناً سريرياً أم لا؟»

بل: لماذا انتظرت الدولة 67 عاماً لتطبيقه؟ ومن يتحمل كلفة هذا التأخير؟

ذلك هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه وزارة التربية بوضوح، بعيداً عن السجال السياسي، وبعيداً أيضاً عن تحميل الطلاب نتائج ارتباك لم يصنعوه.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات التربوية


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا