من «بواخر غير مطابقة» إلى تفريغ عاجل: من افتعل أزمة المحروقات في لبنان؟ ومن دفع ثمنها؟
خاص _ ميديا برس ليبانون
■ أحمد موسى
#ميديا_برس_ليبانون | أسبوعان أعادا اللبنانيين إلى طوابير البنزين… قرارٌ وزاري رفض بواخر بحجة المواصفات، ثم تراجعٌ بعد جلسة مجلس الوزراء، فيما بقي السؤال الأكبر بلا جواب: هل كانت الأزمة تقنية فعلًا أم أن خلفها حسابات سياسية وتجارية تتجاوز السوق اللبنانية؟.
لم تكن طوابير السيارات أمام محطات الوقود خلال الأسبوعين الماضيين مجرد مشهد عابر في بلد اعتاد الأزمات. عودة الخراطيم المرفوعة، إقفال محطات، واحتشاد المواطنين أمام الشركات، أعادت اللبنانيين إلى صور الفوضى التي ظن كثيرون أنها أصبحت من الماضي.
لكن الأخطر من مشهد الطوابير هو ما كشفته الأزمة من هشاشة منظومة استيراد المحروقات وآلية اتخاذ القرار فيها، بعدما دخلت البواخر في قلب الأزمة، وتحولت «المواصفات» إلى عنوان رسمي للرفض، قبل أن تبدأ عملية التفريغ لاحقًا، وكأن شيئًا لم يكن.
فماذا حصل تحديدًا؟ ومن اتخذ القرار؟ ولماذا رُفضت البواخر أولًا، ثم عادت إلى الواجهة بعد اتصالات سياسية وإدارية واسعة؟ وهل كانت المشكلة فعلًا في نسبة الكبريت والمواصفات الفنية، أم أن خلف الملف قصة أخرى لم تُكشف تفاصيلها حتى الآن؟
من أزمة تقنية إلى أزمة سوق
بحسب ما قاله ممثل موزعي المحروقات في لبنان فادي أبو شقرا لـ«ميديا برس ليبانون»، فإن وزارة الطاقة رفضت في البداية إعطاء الإذن بتفريغ عدد من البواخر، لأسباب وصفها بالتقنية والمتعلقة بالمواصفات.
لكن المفارقة الأساسية، وفق رواية أبو شقرا نفسه، أن القرار الذي اتخذته الوزارة ثم وافق عليه مجلس الوزراء عاد وتغيّر لاحقًا.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية
إذا كانت الحمولة غير مطابقة للمواصفات، فما الذي تغيّر حتى أصبحت عملية التفريغ ممكنة؟ هل تغيّرت المواصفات؟ أم أن نتائج الفحوصات تبدلت؟ أم أن المعايير التي استند إليها قرار الرفض لم تعد مانعًا أمام إدخال المحروقات؟.
وفي حال كانت البواخر مطابقة أصلًا، فمن يتحمل مسؤولية القرار الذي أدى إلى تعطيل تفريغها وإرباك السوق؟.
إنها ليست مسألة إدارية صغيرة. فكل يوم تأخير في تفريغ شحنة من المحروقات يعني ضغطًا إضافيًا على السوق، وارتفاعًا في الطلب، واحتشادًا أمام المحطات، وربما ارتفاعًا في كلفة النقل والتوزيع، فضلًا عن الخسائر التي تتكبدها المحطات والشركات والمواطنون.
«الأزمة افتُعلت»… اتهام سياسي بغطاء اقتصادي
نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج براكس وصف، في اتصال مع «ميديا برس ليبانون»، ما حصل بأنه «قصة افتُعلت»، معتبرًا أن الأزمة كانت أكبر من حجمها.
وبحسب براكس، فإن الأزمة الناتجة عن عدم إعطاء إذن تفريغ للبواخر أصبحت وراء اللبنانيين، وأن البواخر الموجودة مقابل الشواطئ اللبنانية بدأت تستعد للتفريغ.
لكن براكس لم يؤكد ولم ينفِ بصورة حاسمة المعطيات التي تتحدث عن أن بعض هذه البواخر كان مطلوبًا إدخالها إلى سوريا، مكتفيًا بالقول إن رفضها ارتبط بمواصفات الحمولة وكمية الكبريت الموجودة فيها وعدم تطابقها، بحسب المعايير المطلوبة.
وهنا تبرز نقطة تستحق التحقيق لا التفسير السريع:
إذا كان الملف مرتبطًا بمواصفات المحروقات، فلماذا ظهرت رواية الوجهة السورية أصلًا؟.
مصادر متابعة للملف قالت لـ«ميديا برس ليبانون» إن المشكلة لم تكن أن البواخر محمّلة بمشتقات نفطية غير صالحة أو غير مطابقة، بل إن بعض البواخر كان مطلوبًا إدخالها إلى سوريا، وإن حجة «عدم المطابقة» استخدمت لمنع دخولها.
هذه الرواية تنفيها أوساط معنية بالقطاع، فيما وصف أبو شقرا الكلام عن الوجهة السورية بأنه «كذبة» ومن ضمن الدعاية.
وبين الروايتين تبقى الحقيقة بحاجة إلى مستندات: نتائج الفحوصات المخبرية، قرارات الرفض، محاضر مجلس الوزراء، وأذونات التفريغ.
ففي الملفات الحساسة، لا تكفي التصريحات لنفي الاتهامات أو تثبيتها؛ الوثيقة هي التي تحسم.
أين اختفت «عدم المطابقة»؟
الجزء الأكثر إثارة في الأزمة لا يتعلق برفض البواخر بحد ذاته، بل بما حدث بعد الرفض.
فبحسب المعطيات المتداولة، بدأت خمس بواخر بعملية التفريغ، فيما بقيت أكثر من ثلاث بواخر أخرى في عرض البحر بانتظار دخولها إلى الشركات وتفريغ حمولتها.
وهنا يطرح السؤال نفسه مجددًا:
إذا كانت الحمولة غير مطابقة، كيف بدأت عملية التفريغ؟.
أما إذا كانت مطابقة، فلماذا مُنعت من التفريغ في الأساس؟.
هذه الحلقة المفقودة هي التي تجعل أزمة المحروقات تتجاوز البعد التقني لتصبح قضية حوكمة وشفافية ومساءلة مالية وإدارية.
فالقرار الحكومي لا يُقاس فقط بنتيجته النهائية، بل بكلفته أيضًا.
ومن يتحمل كلفة الأيام التي بقيت فيها البواخر خارج مرافئ الشركات؟ ومن يتحمل خسائر المحطات التي أغلقت أبوابها؟ ومن يتحمل كلفة النقل الإضافية والوقت الضائع، والهلع الذي دفع بعض المواطنين إلى التزود بكميات إضافية من البنزين؟
أبو شقرا: «عادوا عن القرار»
ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا، الذي دافع عن وزارة الطاقة واعتبر أن قرار رفض البواخر كان لأسباب تقنية، أكد في الوقت نفسه أن قرار الرفض الذي صدر عن الوزارة ووافق عليه مجلس الوزراء «عادوا عن قرارهم».
وهذه العبارة بحد ذاتها تفتح بابًا واسعًا للمساءلة.
فإذا كان القرار الأول صحيحًا من الناحية الفنية، ما الأساس القانوني والفني للعدول عنه؟.
وإذا كان العدول صحيحًا، فما الذي جعل القرار الأول غير صالح للاستمرار؟.
الأزمة هنا ليست فقط في المحروقات، بل في استقرار القرار الإداري نفسه.
فالمستورد يحتاج إلى معرفة القواعد مسبقًا، والشركات تحتاج إلى وضوح في آلية الاستيراد، والمواطن يحتاج إلى سوق مستقرة، والدولة تحتاج إلى قرارات يمكن الدفاع عنها بالوثائق لا بالتصريحات المتناقضة.
جلسة مجلس الوزراء… من ضغط السوق إلى التسوية
بحسب أبو شقرا، جاء الحل بعد سلسلة اتصالات واجتماعات مكثفة شملت رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ووزراء المالية والاقتصاد والطاقة، إضافة إلى المجلس الأعلى للجمارك والشركات المستوردة للمحروقات.
وبعد هذه الاتصالات، بدأت عملية تفريغ البواخر الراسية في عرض البحر، مع تعهد الشركات المستوردة بتوزيع كميات كبيرة من الوقود في الأسواق.
المشهد السياسي هنا لا يقل أهمية عن المشهد الاقتصادي.
فالأزمة لم تُحل فقط عبر مسار إداري أو تقني، بل احتاجت إلى اتصالات على مستوى رئاسة الجمهورية والحكومة ووزارات عدة ومجلس الوزراء.
وهذا يعني أن أزمة البواخر تحولت من ملف تقني داخل وزارة الطاقة إلى ملف حكومي كامل.
والسؤال الذي يجب طرحه: هل كان يمكن تفادي كل ذلك لو كانت آلية اتخاذ القرار واضحة منذ البداية؟.
المواطن دفع الفاتورة… من دون أن يعرف السبب
خلال الأزمة، لم يكن المواطن معنيًا بتفاصيل نسبة الكبريت أو أذونات التفريغ أو المراسلات بين الوزارات.
ما كان يعنيه هو أن محطة الوقود مغلقة، أو أن الطابور يمتد لمسافات طويلة، أو أن عليه العودة إلى المحطة في اليوم التالي بحثًا عن البنزين.
الأزمة بالنسبة إليه تحولت إلى فاتورة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة.
فشح المحروقات يعني وقتًا ضائعًا، وكلفة نقل أعلى، ضغطًا على المؤسسات، اضطرابًا في حركة الشحن والنقل، وربما انعكاسًا على أسعار السلع والخدمات.
وفي بلد يعتمد بصورة واسعة على المحروقات لتشغيل النقل والمولدات والقطاعات الاقتصادية المختلفة، فإن أي اضطراب في سوق الوقود يتحول بسرعة إلى اضطراب اقتصادي شامل.
وزارة الطاقة: «لا أزمة محروقات»
في خضم هذه الفوضى، أصدرت وزارة الطاقة والمياه بيانًا أكدت فيه أن «لا أزمة محروقات»، وأن مادة البنزين متوافرة، وأن عمليات التسليم مستمرة لتلبية حاجات السوق في مختلف الأراضي اللبنانية.
ودعت الوزارة المواطنين إلى عدم الهلع وعدم الانجرار وراء المخاوف من انقطاع المادة.
لكن بين البيان الرسمي والمشهد الميداني كانت هناك فجوة يصعب تجاهلها.
فإذا لم تكن هناك أزمة، لماذا أُغلقت محطات؟ ولماذا اصطفت السيارات؟ ولماذا بقيت بواخر في عرض البحر؟ ولماذا احتاج الملف إلى جلسة لمجلس الوزراء واتصالات بين عدة رئاسات ووزارات وأجهزة؟.
قد تكون الدولة محقة في توصيف الوضع بأنه ليس «أزمة نقص» بالمعنى الاستراتيجي، لكن أزمة التوزيع والتأخير والارتباك كانت حقيقية بالنسبة إلى المواطن.
وهنا تكمن أهمية التواصل الحكومي: ليس المطلوب فقط نفي الأزمة، بل شرح أسباب ما يراه الناس أمام أعينهم.
المال في قلب الأزمة
القضية لا تتوقف عند البنزين.
المحروقات سوق بمئات ملايين الدولارات سنويًا، وأي تأخير في دورة الاستيراد والتفريغ والتوزيع ينعكس على السيولة، وكلفة التخزين، والتأمين، والنقل البحري، وهوامش الشركات والمحطات، وفي النهاية على المستهلك.
ومن هنا، فإن السؤال المالي الذي يجب أن يرافق التحقيق هو:
من دفع كلفة تأخير البواخر؟
وهل ترتبت غرامات تأخير على الشركات أو السفن؟
ومن يتحملها؟
وهل ستدخل هذه الكلفة في السعر النهائي للمحروقات؟
وهل ستظهر في جدول تركيب الأسعار المقبل، أم ستبقى ضمن حسابات الشركات؟.
ثم هناك سؤال أكثر حساسية:
هل تملك الدولة نظامًا إلكترونيًا وشفافًا يوضح مسار كل باخرة، من لحظة وصولها إلى المياه الإقليمية حتى تفريغ الحمولة ودخولها السوق؟.
إذا كان هذا النظام موجودًا، فإن نشر البيانات الأساسية عنه قد ينهي الكثير من الجدل.
أما إذا لم يكن موجودًا، فإن الأزمة الأخيرة كشفت ثغرة في إدارة واحد من أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد اللبناني.
البواخر ليست وحدها المشكلة
الاختزال الإعلامي للأزمة في «بواخر عالقة» قد يكون مريحًا، لكنه لا يفسر الصورة كاملة.
المشكلة الأعمق هي نموذج إدارة قطاع المحروقات.
لبنان يستورد حاجاته، يعتمد على الشركات الخاصة في التخزين والتوزيع، ويحدد رسميًا أسعار المشتقات النفطية وفق جداول تتأثر بالأسعار العالمية وسعر الصرف والضرائب والرسوم وكلفة النقل وغيرها.
في هذا النموذج، أي قرار إداري مفاجئ يمكن أن ينتقل خلال ساعات من مكتب في الوزارة إلى آلاف المحطات والمستهلكين.
وهذا ما يجعل قطاع المحروقات بحاجة إلى إدارة استباقية لا إدارة أزمات.
المطلوب ليس «طمأنة» فقط
أبو شقرا توقع انخفاضًا طفيفًا في الأسعار مع صدور جدول تركيب الأسعار الجديد، ودعا المواطنين إلى عدم الخوف من انقطاع المادة.
والشركات تعهدت بضخ كميات كبيرة في الأسواق.
لكن بعد انتهاء الطوابير، يجب ألا ينتهي التحقيق.
المطلوب معرفة:
– ما هي البواخر التي رُفض تفريغها؟
– ما هي نتائج الفحوصات الفنية التي استند إليها قرار الرفض؟
– من أصدر القرار؟
– لماذا تغير القرار لاحقًا؟
– ما هو الأساس القانوني للعدول عنه؟
– هل كانت هناك أي علاقة بين البواخر والسوق السورية؟
– من تحمل كلفة التأخير؟
– هل انعكس التأخير على الأسعار؟
– وهل توجد آلية تمنع تكرار السيناريو؟
هذه ليست أسئلة سياسية فقط، بل أسئلة مالية وإدارية تمس المال العام واستقرار السوق والأمن الاقتصادي للمواطن.
أزمة انتهت في المحطات… لكنها لم تنتهِ في الملفات
قد تكون أزمة البنزين قد انتهت عمليًا مع بدء تفريغ البواخر وعودة الإمدادات إلى السوق. وقد تكون رواية «المواصفات» هي التفسير الصحيح فعلًا.
لكن ذلك لا يلغي الأسئلة التي كشفتها الأزمة.
فالانتقال من «غير مطابق» إلى «قابل للتفريغ» يحتاج إلى تفسير واضح، والانتقال من قرار بالرفض إلى قرار بالسماح يحتاج إلى مستندات، والأزمة التي وصلت إلى المحطات تحتاج إلى تحديد المسؤولية عن كلفتها.
أما أخطر ما يمكن فعله فهو إغلاق الملف بمجرد عودة البنزين إلى المحطات.
لأن اللبناني لا يحتاج فقط إلى معرفة أن البنزين متوافر؛ بل يحتاج إلى معرفة لماذا اختفى، ومن اتخذ قرارًا بإبقائه خارج السوق، ولماذا عاد القرار وتغيّر، ومن دفع ثمن أسبوعين من الارتباك؟
في بلد اعتاد أن تبدأ أزماته من قرار غامض وتنتهي بتسوية سياسية، تبقى البواخر في عرض البحر أكثر من مجرد ناقلات وقود.
إنها، في هذه القضية، شاهد عائم على سؤال أكبر: كيف تُدار سوق استراتيجية بمئات ملايين الدولارات، ومن يملك القرار عندما تتقاطع السياسة مع المال والتجارة؟.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والاقتصاد



اترك تعليقًا