من «العفو» إلى اختبار العدالة… ماذا أقرّ مجلس النواب، ومن شملته التسوية؟
مجلس النواب |ميديا برس ليبانون #ميديا_برس_ليبانون | لم يكن إقرار قانون العفو العام في مجلس النواب اللبناني، الأربعاء 12 آب 2026، مجرد محطة تشريعية عابرة، بل جاء تتويجاً لأشهر من التجاذب السياسي والقضائي والحقوقي حول مصير آلاف الموقوفين والمحكومين، وحول سؤال أكثر حساسية: هل يستطيع القانون أن يطوي ملفات المظلومية من دون أن يتحول إلى غطاء للإفلات من العقاب؟.
الجلسة انتهت إلى إقرار القانون كما خرج من اللجان المشتركة، مع تعديلات طاولت بصورة أساسية الحق الخاص، وإخلاء السبيل، والمحاكمة خارج السجن، فيما خُفّض شرط إخلاء السبيل من 14 إلى 12 سنة سجنية. كما حُذفت كلمة «مبرم» من النص المتعلق بالحكم، في تعديل من شأنه توسيع نطاق الاستفادة مقارنة بالصيغة التي أثارت الخلافات خلال الأسابيع الماضية.
لكن خلف هذا الإنجاز التشريعي، بقيت أسئلة سياسية وقضائية لم يحسمها القانون بصورة نهائية، وفي مقدمتها ملف الشيخ أحمد الأسير، الذي تحوّل خلال مسار النقاش إلى أحد أكثر الملفات حساسية في معادلة العفو العام.
الحشيمي: لا عفو على حساب الجيش ولا على حساب الضحايا
في الجلسة التشريعية، قدّم النائب الدكتور بلال الحشيمي مقاربة حاولت الفصل بين مفهوم العفو العام وبين أي محاولة لتبرير الجرائم أو المساس بمكانة المؤسسة العسكرية.
الحشيمي شدد على أن المطالبة بالعفو لا تستهدف الجيش اللبناني، ولا تعني تبرير الجرائم أو إسقاط حقوق الضحايا، بل تنطلق من الحاجة إلى معالجة ملفات شهدت، بحسب ما طرحه، توقيفات احتياطية طويلة وتأخراً في المحاكمات والأحكام، إضافة إلى اعتراضات على بعض المحاكمات أمام القضاء العسكري.
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط في النقاش: العفو العام ليس حكماً قضائياً جديداً بالبراءة، بل هو تدخل تشريعي استثنائي يحدد الجرائم أو الحالات التي يمكن أن تستفيد من إسقاط العقوبة أو تخفيف آثارها وفق الشروط التي يضعها القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: «من يخرج؟»، بل أيضاً: من بقي خارج القانون؟ ولماذا؟
بين المظلومية والعدالة… عقدة القانون الأساسية
الطرح الذي تبناه الحشيمي يقوم على فكرة أن العدالة لا يمكن أن تكون جماعية في الاتجاهين: فلا يجوز وضع كل المتهمين والمحكومين في خانة واحدة، كما لا يجوز في المقابل تحويل الحديث عن المظلومية إلى وسيلة لإسقاط حقوق الضحايا.
وهذه المعادلة هي التي جعلت قانون العفو العام من أكثر القوانين حساسية في لبنان.
فمن جهة، هناك عائلات تنتظر منذ سنوات مصير أبنائها، وأشخاص أمضوا فترات طويلة في التوقيف، وملفات بقيت عالقة في دهاليز المحاكم.
ومن جهة ثانية، هناك ضحايا وعائلات شهداء ومتضررون يتمسكون بحقوقهم ويرفضون أن يتحول العفو إلى إلغاء للعدالة.
لذلك، فإن نجاح القانون لا يُقاس بعدد الذين سيغادرون السجون فقط، وإنما بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة بين إنهاء التوقيفات غير المبررة، وتسريع المحاكمات، وحماية الحقوق الخاصة، وعدم تحويل العفو إلى سابقة تشجع على الإفلات من المسؤولية.
لماذا خُفّضت عتبة إخلاء السبيل إلى 12 سنة؟
التعديل الأكثر وضوحاً تمثل بخفض المدة المطلوبة لإخلاء السبيل من 14 إلى 12 سنة سجنية.
والأهمية هنا أن التشريع يلامس مشكلة مزمنة في النظام القضائي اللبناني، وهي طول مدة بعض التوقيفات والمحاكمات.
وقد سبق للجان النيابية المشتركة أن ناقشت اقتراحاً يتضمن، بصورة استثنائية، إخلاء سبيل المدعى عليه إذا تجاوز توقيفه الفعلي 12 سنة سجنية، مع استمرار المحاكمة وفق الأصول.
أي أن إخلاء السبيل، في هذه الحالة، لا يعني إعلان البراءة، بل يعني وقف استمرار السجن الاحتياطي إلى ما لا نهاية، مع إبقاء المسار القضائي قائماً وفق شروط القانون.
وهذا التفصيل بالغ الأهمية، لأن الخلط بين إخلاء السبيل وإسقاط الحكم أو إعلان البراءة يمكن أن يقلب النقاش كله إلى سجال سياسي بدلاً من كونه نقاشاً قانونياً.
الحق الخاص… الصمام الذي بقي حاضراً
التعديل المتعلق بالحق الخاص يمثل نقطة أخرى شديدة الحساسية.
فالعفو العام، مهما اتسع، لا ينبغي أن يُقرأ بصورة تلقائية على أنه محو لكل آثار الجريمة تجاه الضحية. ولهذا أصبح الحفاظ على الحق الخاص جزءاً أساسياً من التسوية التي رافقت صياغة القانون.
وهنا يظهر الفرق بين حق الدولة في العقوبة وبين حق المتضرر الشخصي.
فإذا كانت الدولة تستطيع، بقانون صادر عن السلطة التشريعية، أن تسقط أو تخفف العقوبة العامة ضمن الحدود التي يحددها النص، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحقوق المدنية والشخصية للضحايا تختفي بالطريقة نفسها.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل القانون أكثر تعقيداً من مجرد عبارة «عفو عام».
الجيش في قلب النقاش… ولكن خارج التجاذب
الحشيمي حاول أيضاً إغلاق باب سياسي بالغ الحساسية عندما أكد دعمه للجيش اللبناني، رافضاً تحويل المطالبة بالعفو إلى مواجهة مع المؤسسة العسكرية.
وقال بوضوح إن الجيش يجب أن يبقى قوياً وموحداً وبعيداً عن التجاذبات السياسية والطائفية، مؤكداً تأييده لوزير الدفاع وحرص رئيس الحكومة على إبقاء الجيش فوق السجالات السياسية.
هذه المقاربة تحمل رسالة مزدوجة:
الأولى إلى المؤيدين للعفو، ومفادها أن معالجة بعض الملفات لا تعني مواجهة الجيش.
والثانية إلى المعارضين، ومفادها أن الدفاع عن المؤسسة العسكرية لا يستوجب بالضرورة رفض كل مراجعة قضائية لملفات ارتبطت بها.
وهنا يصبح شعار «دولة واحدة، جيش واحد، سلاح شرعي واحد، وقرار أمني ودفاعي واحد» محاولة لإخراج قانون العفو من الاصطفاف الطائفي والسياسي ووضعه في إطار الدولة والقانون.
أحمد الأسير… السؤال الذي لم ينتهِ بإقرار القانون
إذا كان قانون العفو قد فتح باباً واسعاً أمام مراجعة عدد كبير من الملفات، فإن اسم أحمد الأسير بقي حاضراً بقوة في النقاش العام.
فالأسير ليس مجرد اسم في لائحة سجناء، بل ملف ذو أبعاد سياسية وأمنية وقضائية، يرتبط بأحداث عبرا وبالاشتباكات التي وقعت مع الجيش اللبناني، وبأحكام قضائية قاسية صدرت بحقه وبحق آخرين.
ولهذا السبب، تحولت قضيته إلى اختبار فعلي لمدى قدرة قانون العفو على معالجة ما يعتبره مؤيدوه «مظلومية» من دون أن يُنظر إليه باعتباره تسوية سياسية مع ملفات ذات طابع أمني وعسكري.
وقد سبق أن أثار ملف الأسير جدلاً واسعاً داخل النقاش حول العفو العام، وسط مطالبات بأن يشمله القانون، في مقابل اعتراضات سياسية وشعبية على ذلك.
هل خرج الأسير من التسوية؟
هنا يجب التفريق بين أمرين: الاستفادة من القانون من حيث المبدأ، والإفراج الفوري من السجن.
فإقرار القانون بصيغته النهائية لا يعني تلقائياً أن كل من ارتبط اسمه بالنقاش السياسي حول العفو سيخرج من السجن في اليوم التالي.
كما أن حذف كلمة «مبرم» من المادة المعنية، بحسب الصيغة التي أُقرت، يجعل قراءة القانون أكثر اتساعاً من الصيغة التي أثارت المخاوف في الأيام السابقة. وبالتالي، فإن القول إن الأسير «خارج قانون العفو نهائياً» يحتاج إلى حسم قانوني دقيق استناداً إلى النص النهائي وتطبيقه على ملفه القضائي، وليس إلى المواقف السياسية وحدها.
أما الإفراج الفوري، فهو مسألة مختلفة ترتبط بالأحكام الصادرة بحقه وبكيفية انطباق المواد النهائية عليه.
وهنا تحديداً ينبغي تجنب تحويل التقديرات الإعلامية إلى أحكام قانونية نهائية.
من «الحكم المبرم» إلى «أي حكم»… تعديل غيّر المعادلة
كان تعبير «الحكم المبرم» أحد أكثر العبارات إثارة للجدل خلال مرحلة التفاوض على القانون.
إبقاء العبارة كان سيضيق دائرة المستفيدين من بعض أحكام إخلاء السبيل، فيما حذفها يوسّع نطاق المادة وفق القراءة التي اعتمدها المجلس في الصيغة النهائية.
وهذا التغيير ليس تفصيلاً لغوياً.
في القوانين الجزائية، كلمة واحدة يمكن أن تغير دائرة المستفيدين من النص، ولذلك فإن الانتقال من «الحكم المبرم» إلى صيغة أوسع قد تكون له نتائج عملية على ملفات عديدة، وليس على ملف الأسير وحده.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية تبدأ بعد إقرار القانون: كيف ستفسر المحاكم النص؟ وكيف ستُطبق مواده على كل ملف بصورة منفردة؟.
قانون العفو… تسوية سياسية أم تصحيح قضائي؟
من الخطأ اختزال القانون في خلفيته السياسية وحدها.
صحيح أن إقراره جاء وسط انقسامات حادة، وأن غياب كتل سياسية وازنة عن الجلسة ألقى بظلاله على المشهد، لكن القانون يحمل أيضاً بعداً قضائياً واجتماعياً يتعلق بالاكتظاظ والتوقيف الاحتياطي وطول أمد المحاكمات.
ومن الناحية السياسية، يمكن قراءة التسوية باعتبارها محاولة لمنع استمرار ملف الموقوفين من التحول إلى أزمة مفتوحة بين القوى السياسية والطوائف.
أما من الناحية الحقوقية، فالمطلوب أن يتحول القانون من مجرد «عفو» إلى فرصة لإصلاح الخلل الذي أنتج الحاجة إلى العفو أصلاً.
فإذا بقيت التوقيفات الطويلة والمحاكمات البطيئة، فقد يجد لبنان نفسه بعد سنوات أمام قانون عفو جديد لمعالجة الملفات نفسها بأسماء مختلفة.
الاختبار الأصعب يبدأ بعد التصويت
إقرار القانون هو نهاية مرحلة وبداية أخرى.
فالكرة أصبحت في ملعب القضاء والإدارات المختصة لتحديد المستفيدين، وفرز الملفات، وتطبيق المواد القانونية على كل حالة، مع الحفاظ على الحقوق الخاصة.
وهنا ستظهر ثلاثة اختبارات:
أولاً: الاختبار القانوني
هل سيُطبق القانون بصورة موحدة على جميع الملفات أم ستظهر تفسيرات متباينة؟.
ثانياً: الاختبار القضائي
هل يؤدي القانون إلى تخفيف التوقيفات الطويلة وتسريع المحاكمات، أم يتحول إلى حل مؤقت لمشكلة أعمق؟.
ثالثاً: الاختبار السياسي
هل تنجح القوى السياسية في إبقاء القانون خارج لعبة المحاصصة والاصطفافات الطائفية، أم يتحول كل ملف إلى معركة نفوذ جديدة؟.
العفو لا يكفي… المطلوب إصلاح العدالة
المشكلة الأعمق ليست في وجود قانون عفو عام من عدمه، بل في الظروف التي تجعل لبنان يحتاج إلى قانون عفو عام بصورة متكررة.
فالدولة التي تمتلك قضاءً سريعاً ومستقلاً وشفافاً لا تحتاج إلى انتظار سنوات ثم البحث عن تسوية تشريعية لإخراج سجناء أمضوا مددًا طويلة قبل صدور الأحكام.
ولهذا، فإن قانون العفو ينبغي ألا يكون نهاية القصة.
بل يجب أن يكون بداية ورشة تشريعية وقضائية لمعالجة التوقيف الاحتياطي، وتسريع المحاكمات، وتطوير عمل القضاء العسكري، وضمان حقوق الدفاع، وتوحيد معايير تطبيق القانون.
طيّ الصفحة لا يعني إغلاق الملف
بين خطاب الحشيمي الذي شدد على رفع المظلومية من جهة، والاعتراضات التي تخشى المساس بحقوق الضحايا وهيبة الدولة والجيش من جهة أخرى، حاول مجلس النواب إنتاج صيغة وسطية لقانون شديد الحساسية.
الصيغة النهائية وسّعت بعض أبواب الاستفادة عبر خفض شرط إخلاء السبيل إلى 12 سنة وحذف كلمة «مبرم» من المادة المعنية، لكنها لم تجعل كل الملفات متساوية ولا كل الأحكام قابلة للإفراج الفوري.
أما أحمد الأسير، الذي ظل اسمه في قلب النقاش السياسي والشعبي حول العفو، فإن مصيره لا ينبغي أن يُحسم بالشعارات، لا المؤيدة ولا الرافضة، بل بالقراءة الدقيقة للنص النهائي ومطابقته مع وضعه القضائي الفعلي.
وفي النهاية، فإن نجاح العفو العام لن يُقاس فقط بعدد أبواب السجون التي ستُفتح، بل بقدرة الدولة على منع تكرار الأسباب التي جعلت هذه الأبواب تُغلق على أشخاص لسنوات طويلة.
فالعدالة الحقيقية ليست أن يبقى المظلوم في السجن، وليست أيضاً أن يخرج المجرم بلا حساب؛ العدالة أن يعرف الجميع أن الدولة قادرة على التمييز بين الاثنين، وأن القانون وحده هو الذي يقرر المصير.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون| القسم السياسي والقانوني



اترك تعليقًا