من مجد المعوش إلى كفرنيس ووادي الست.. الزراعة اللبنانية أمام اختبار الانتقال من «المطالب» إلى «المشاريع»

من مجد المعوش إلى كفرنيس ووادي الست.. الزراعة اللبنانية أمام اختبار الانتقال من «المطالب» إلى «المشاريع»

وزير الزراعة نزار هاني يضع دعم المزارعين والبنية التحتية وإدارة المياه في صلب الأولويات، ويعلن مسارًا جديدًا لرقمنة القطاع وبناء قاعدة بيانات وطنية للمزارعين

ميديا برس ليبانون |لم يعد واقع الزراعة اللبنانية يحتمل المعالجات الموسمية أو الاكتفاء بتسجيل مطالب المزارعين عند كل أزمة. فالقطاع الذي يشكل ركيزة للاقتصاد الريفي والأمن الغذائي يواجه تحديات متشابكة تبدأ من الطرقات الزراعية ومياه الري، ولا تنتهي عند ارتفاع كلفة الإنتاج وصعوبة التسويق والوصول إلى الأسواق.

من هذه الزاوية، جاء اللقاء الزراعي الموسّع في مجد المعوش، بدعوة من رئيس اتحاد بلديات العرقوب–الحرف روميو ياغي، وبرعاية وحضور وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، وبمشاركة النائب الدكتور فريد البستاني ورؤساء البلديات والمخاتير وممثلي التعاونيات والمزارعين وعدد من مسؤولي الوزارة.

وشكّل اللقاء مساحة مباشرة لبحث واقع القطاع الزراعي واحتياجات المنطقة، ولا سيما تأهيل الطرقات الزراعية، وتأمين مياه الري، وتعزيز دور التعاونيات، وتحسين تصريف الإنتاج وفتح الأسواق وتأمين مستلزمات الإنتاج.

من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة زراعية

الرسالة الأساسية التي حملها هاني تمثلت في ضرورة الانتقال من معالجة المشكلات بصورة ظرفية إلى بناء منظومة زراعية متكاملة تقوم على التخطيط والبيانات والاستثمار والشراكة.

وأكد أن الزراعة ليست قطاعًا هامشيًا، بل ركيزة للاقتصاد الريفي والأمن الغذائي والتنمية المحلية، وأن حماية الزراعة تبدأ من حماية المزارع وقدرته على البقاء في أرضه والاستمرار في الإنتاج.

وأوضح أن رؤية الوزارة تركز على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتحسين إدارة المياه، وتعزيز التعاونيات، وتنظيم القطاع، وتطوير الخدمات الزراعية، ورفع الإنتاجية، وتسهيل وصول المنتجات اللبنانية إلى الأسواق.

وأشار إلى أن منطقة العرقوب–الحرف والشوف تمتلك مقومات وتنوعًا زراعيًا يؤهلانها لتكون نموذجًا في التنمية المستدامة، شرط الاستثمار المنظم في البنية التحتية والخدمات وسلاسل القيمة.

وأكد أن الوزارة لن تكتفي بتسجيل المطالب، بل ستعمل على تحويلها إلى خطط عمل قابلة للتنفيذ وفق الأولويات والإمكانات المتاحة.

سجل موحّد للمزارعين وبطاقة ذكية

في إطار تحديث الإدارة الزراعية ورقمنة الخدمات، أعلن هاني أن الوزارة ستستكمل خلال الأشهر المقبلة تسجيل المزارعين في سجل رسمي موحّد، على أن تصدر اللائحة خلال النصف الأول من عام 2027، تمهيدًا لمنح المزارعين بطاقات ممغنطة تتضمن رمز QR.

ولا تقتصر أهمية الخطوة على إصدار بطاقة تعريفية، بل تهدف إلى بناء منظومة معلومات زراعية وطنية تتيح معرفة أدق بالمزارعين والأراضي والأنشطة والإنتاج، وتحديد الاحتياجات وتوجيه برامج الدعم وفق معايير واضحة.

وتشكل البيانات الموثوقة أساسًا لتحسين التخطيط، وتوجيه الاستثمارات، وتعزيز دور التعاونيات وربط الخدمات بالمزارعين.

البنية التحتية والمياه.. أساس القدرة على الإنتاج

شدد الوزير على أن تطوير البنية التحتية الزراعية يمثل مدخلًا أساسيًا لرفع الإنتاجية وخفض الكلفة وتحسين وصول المزارعين إلى أراضيهم وتسويق منتجاتهم.

وأشار إلى أن الوزارة ستعمل بالتعاون مع «المشروع الأخضر» والسلطات المحلية على دعم مشاريع الطرقات الزراعية والري، وفق الأولويات والحاجات الفعلية على الأرض.

كما أكد أن إدارة المياه تمثل تحديًا محوريًا للزراعة اللبنانية، وأن تحسين كفاءة استخدام مياه الري وتطوير البنى التحتية المائية ضروريان لتعزيز صمود القطاع في مواجهة الضغوط المناخية وارتفاع كلفة الإنتاج.

الجولة الميدانية.. من المكاتب إلى الأرض

عقب اللقاء، قام هاني بجولة شملت كفرنيس ووادي الست وعددًا من قرى الشوف والعرقوب–الحرف، للاطلاع مباشرة على واقع القطاع الزراعي والاستماع إلى هواجس المزارعين.

وعاين واقع عدد من الطرقات الزراعية والصعوبات التي تواجه المزارعين في الوصول إلى أراضيهم ونقل الإنتاج، وما يترتب على ذلك من أعباء إضافية على كلفة العمل والتسويق.

وجرى بحث خطوات عملية لإعادة تأهيل عدد من الطرقات الزراعية بالتنسيق مع الجهات المعنية، إلى جانب مطالب تتعلق بمياه الري، وتصريف الإنتاج، وفتح الأسواق، ودعم التعاونيات وتأمين مستلزمات الإنتاج.

واللافت أن الوزارة تسعى إلى مقاربة هذه الملفات ضمن خطة واحدة، بدل التعامل معها كقضايا منفصلة، انطلاقًا من أن مشكلة المزارع تبدأ من الأرض لكنها تنتهي في السوق.

الاختبار الحقيقي: التنفيذ

يبقى التحدي الأساسي بعد اللقاء والجولة الميدانية في قدرة المؤسسات على تحويل الأولويات إلى مشاريع قابلة للقياس والتنفيذ.

فتأهيل الطرقات يحتاج إلى جداول زمنية وتمويل ومتابعة، ومشاريع الري تحتاج إلى تخطيط وصيانة واستدامة، فيما يتطلب سجل المزارعين قاعدة بيانات دقيقة وآليات تحديث وربط فعلي بالخدمات والدعم.

أما فتح الأسواق ودعم التعاونيات، فيحتاجان إلى الانتقال من المعالجة الظرفية إلى بناء قدرات إنتاجية وتسويقية مستدامة.

وهنا ستكون المتابعة والتنسيق بين الوزارة والبلديات والتعاونيات والمزارعين المعيار الحقيقي لنجاح المقاربة الجديدة.

الإنتاج المستدام يحتاج إلى بنية تحتية

وضعت زيارة وزير الزراعة إلى مجد المعوش وكفرنيس ووادي الست ملف الزراعة أمام اختبار واضح: هل تنتقل الدولة من تسجيل المطالب إلى تنفيذ المشاريع؟.

المقومات الزراعية موجودة، لكن تحويلها إلى إنتاج مستدام يحتاج إلى بنية تحتية، ومياه، وبيانات، وتعاونيات فاعلة، وأسواق، وسياسات تستند إلى التخطيط والاستثمار.

فحماية الزراعة لا تبدأ وتنتهي بالدعم المباشر، بل ببناء البيئة التي تمكن المزارع من الإنتاج والاستمرار.
الزراعة تُحمى بالمزارع، والمزارع يُمكَّن بالبنية التحتية والمعرفة والاستثمار والسوق.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والتنمية الزراعية


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا