مهلة الـ60 يوماً تنتهي… والمنطقة أمام «ساعة الصفر»: هل سقط تفاهم إسلام آباد أم بدأت مرحلة أخطر؟
ميديا برس ليبانون
■ أحمد موسى
تدخل المنطقة اليوم مرحلة شديدة الحساسية مع انقضاء مهلة الستين يوماً التي حددتها مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية، المعروفة بـ«تفاهم إسلام آباد»، من دون إعلان رسمي عن اتفاق نهائي أو بيان مشترك واضح يؤكد تمديد المهلة. وبينما تتضارب الإشارات الآتية من واشنطن وطهران بشأن مستقبل التفاهم، يتزامن ذلك مع تصعيد ميداني متسارع في لبنان وغزة، ومع تراجع حاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بما يجعل انتهاء المهلة أكثر من مجرد استحقاق زمني؛ إنه اختبار حقيقي لمسار تفاوضي إقليمي مترابط تتقاطع فيه الحسابات النووية والعقوبات والأمن البحري مع ساحات المواجهة الممتدة من إيران إلى لبنان وغزة.
من «التفاهم» إلى اختبار النيات
وقّعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة التفاهم في 17 حزيران الماضي باعتبارها إطاراً لوقف المواجهة العسكرية وفتح نافذة تفاوضية لمعالجة الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الأميركية، وحرية الملاحة.
وبحسب البنود الأربعة عشر التي كُشف عنها، حُددت مهلة أقصاها 60 يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي، مع إمكانية التمديد بموافقة الطرفين.
لكن الوصول إلى الموعد النهائي لم يأتِ مصحوباً بالنتيجة السياسية التي كان يفترض أن تتوج المسار. فلا اتفاق نهائي أُعلن، ولا بيان أميركي–إيراني مشترك حسم مصير المذكرة، فيما ظهرت رسائل متناقضة حول احتمال تمديدها.
وتحدثت مصادر حكومية باكستانية عن موافقة مبدئية على التمديد، من دون التوافق على مدته، في حين نفى مسؤول إيراني كبير وجود مفاوضات بهذا الشأن، واضعاً الكرة في الملعب الأميركي عبر المطالبة بعودة واشنطن إلى تنفيذ التزاماتها وتحديد جدول زمني واضح.
وهنا تكمن العقدة الأساسية: هل نحن أمام انهيار للتفاهم، أم أمام إعادة تفاوض على شروطه؟
هرمز يدخل على خط المفاوضات
لا يمكن فصل التطورات السياسية عن المشهد الميداني. فمضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية، يتحول تدريجياً إلى ورقة ضغط في الصراع الأميركي–الإيراني.
وتراجع حركة الملاحة عبر المضيق، بالتزامن مع تصاعد التهديدات المتبادلة، يرفع كلفة أي قرار بالعودة إلى التصعيد، لكنه في الوقت نفسه يمنح الطرفين أدوات ضغط إضافية على طاولة المفاوضات.
واشنطن تستخدم أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات والتهديد بتشديد الحصار، بينما تتمسك طهران برفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة ورفض أي مساس بسيادتها على مضيق هرمز.
وبذلك، لم يعد الخلاف محصوراً في الملف النووي؛ بل بات مرتبطاً بمعادلة أوسع عنوانها: من يملك القدرة على الضغط أكثر من دون الذهاب إلى حرب شاملة؟.
لبنان… الساحة التي تدفع ثمن التعثر الإقليمي
في هذه اللحظة الإقليمية المعقدة، يجد لبنان نفسه في موقع بالغ الهشاشة.
ففي الجنوب، يتواصل القصف الإسرائيلي وعمليات النسف والتدمير، بالتوازي مع تحليق كثيف للطيران الحربي والمسيرات، فيما تتسع دائرة المخاوف من انتقال التصعيد إلى مناطق أخرى.
وفي المقابل، لا تزال السلطة اللبنانية تتمسك بخيار التفاوض، انطلاقاً من محاولة منع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لحرب إقليمية لا يملك قرارها منفرداً.
لكن المعادلة تبدو أكثر صعوبة مع ارتفاع سقف الخطاب الإسرائيلي، ولا سيما التصريحات التي تلوّح بتوسيع نطاق العمليات إلى بيروت، ورفض استمرار ما يوصف إسرائيلياً بـ«لعبة القط والفأر».
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: ما الذي بقي فعلياً من «اتفاق الإطار» اللبناني–الإسرائيلي إذا كانت الوقائع الميدانية تتقدم على المسار الدبلوماسي؟.
روما… مفاوضات مؤجلة أم مسار مهدد؟
على خط الاتصالات اللبنانية–الإسرائيلية، تبدو الصورة بدورها معلقة.
فالمعلومات الدبلوماسية المتداولة تشير إلى أن شهر أيلول قد يشهد عودة محتملة إلى مسار التفاوض، في ظل اتصالات لبنانية مكثفة مع الراعي الأميركي بهدف احتواء التصعيد ووقف عمليات النسف والتفجير.
لكن المشكلة أن التفاوض يجري تحت سقف إسرائيلي وأميركي مرتفع، في وقت يواجه فيه لبنان ضغطاً ميدانياً وسياسياً متزامناً.
وإذا كانت تلة علي الطاهر قد تقدمت في الحسابات الإسرائيلية إلى واجهة المشهد الجنوبي، فإن الخطر لا يكمن في أهمية الموقع العسكري وحدها، بل في احتمال تحوله إلى عنوان تفاوضي جديد يفرض نفسه على أي طاولة مقبلة.
وهذا يعني أن الميدان قد يصبح شريكاً فعلياً في صياغة شروط التفاوض، لا مجرد خلفية له.
«روما» بين السرايا وعين التينة
في بيروت، يبدو المسار السياسي محاصراً بين ضغط الميدان وضغط الوساطة.
فمن جهة، تراهن السلطة على المسار الدبلوماسي وعلى الدور الأميركي لمنع الانزلاق إلى حرب واسعة.
ومن جهة أخرى، يضع الموقف الأميركي شروطاً مرتبطة بالسلاح ودور الدولة، بينما تستمر إسرائيل في رفع سقف تهديداتها.
وهكذا يصبح المسار اللبناني شبيهاً بحلقة متداخلة: المفاوضات تحتاج إلى تهدئة، والتهدئة تحتاج إلى اتفاق، والاتفاق يحتاج إلى تنازلات، بينما الميدان يواصل إنتاج وقائع جديدة كل يوم.
واشنطن وطهران… «حصار مقابل حصار»
انتهاء مهلة الستين يوماً لا يعني بالضرورة العودة إلى نقطة الصفر.
فالطرفان، رغم تبادل الاتهامات بالانتهاكات والتنصل من الالتزامات، لم يذهبا حتى الآن إلى الضربة القاضية.
واشنطن تضغط اقتصادياً وسياسياً، وطهران ترفع سقف شروطها، فيما تعمل دول الوساطة على منع انهيار كامل للمسار من خلال نقل الرسائل ومحاولة تفكيك الملفات الكبيرة إلى تفاهمات جزئية.
وهذه النقطة قد تكون مفتاح المرحلة المقبلة.
فبدلاً من اتفاق شامل، قد تتجه المفاوضات إلى صفقات جزئية ومتدرجة: تفاهم نووي محدود، تخفيف مرحلي للعقوبات، ترتيبات أمنية في الخليج، وتهدئة متبادلة في ساحات النفوذ الإقليمي.
ذلك هو السيناريو الذي يسمح لكل طرف بالحفاظ على جزء من أوراقه، وتجنب الظهور بمظهر الطرف الذي قدم تنازلات مجانية.
لبنان أمام «المنخفض الإيراني–الأميركي»
المشكلة أن لبنان لا يملك ترف الانتظار طويلاً.
فالاستقرار اللبناني بات مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار الصراع الإقليمي، وأي فشل في التفاهم الأميركي–الإيراني قد ينعكس على ساحات عدة، من الخليج إلى العراق وسوريا وغزة ولبنان.
وإذا نجحت الوساطات في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، فقد يحصل لبنان على مساحة زمنية تسمح بإعادة تحريك المسار التفاوضي.
أما إذا انهار التفاهم وانتقلت واشنطن وطهران إلى سياسة الضغط المتبادل المفتوح، فإن هامش الحركة أمام بيروت سيضيق بصورة كبيرة.
وفي هذه الحالة، قد تتحول الساحة اللبنانية من مساحة للتفاوض إلى ساحة لتبادل الرسائل بالنار.
السؤال الأصعب: ماذا بعد 17 آب؟
انقضاء المهلة في 17 آب لا يعني بالضرورة أن الحرب ستعود، كما لا يعني أن السلام بات قريباً.
إنه يوم اختبار.
اختبار لقدرة واشنطن وطهران على منع انهيار التفاهم، واختبار لدور الوسطاء، واختبار لقدرة لبنان على حماية مساره التفاوضي من تداعيات المواجهة الإقليمية.
والأهم أنه اختبار لمعادلة جديدة تتشكل في المنطقة: هل يمكن فصل ساحات النزاع عن بعضها، أم أن أي انفجار في ملف واحد سيعيد إشعال الملفات الأخرى؟.
حتى الآن، لا تبدو الإجابة محسومة.
فالمفاوضات لم تنضج، والحروب لم تتوقف، والوسطاء لم يغادروا خطوط الاتصال، بينما تستمر الأطراف في رفع سقف شروطها واختبار حدود خصومها.
مفاوضات تحكمها الساعات المقبلة
بين نهاية مهلة الستين يوماً وتصاعد القصف في الجنوب وتوتر مضيق هرمز، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق بالغ الخطورة. فإما أن تتحول الساعات المقبلة إلى فرصة لإعادة إنتاج تفاهم جديد، ولو كان جزئياً ومؤقتاً، وإما أن يكون انتهاء المهلة إعلاناً غير رسمي عن انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة من الضغط المتبادل.
أما لبنان، فيبقى الحلقة الأكثر هشاشة في هذه السلسلة. فهو يحاول إبقاء باب التفاوض مفتوحاً فيما يتقدم الميدان، ويحاول الاستناد إلى الوساطة الأميركية فيما ترتفع الشروط السياسية، ويبحث عن تسوية فيما تتغير الوقائع العسكرية على الأرض.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل يتم تمديد «تفاهم إسلام آباد»؟.
بل أصبح: هل تستطيع واشنطن وطهران إبقاء خلافاتهما داخل غرف التفاوض، أم أن فشل التفاهم سيعيد توزيع نار المواجهة على ساحات المنطقة، ويضع لبنان مجدداً أمام امتحان الحرب والتفاوض في آن واحد؟.
وفي انتظار الإجابة، تبقى المنطقة معلقة بين طاولة المفاوضات وهدير الطائرات، فيما تتحول كل ساعة تأخير إلى ورقة جديدة في لعبة عضّ الأصابع المفتوحة من هرمز إلى بيروت.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون | قسم التحليل والآراء



اترك تعليقًا