علي الطاهر على خط النار: هل تتحول الورقة القطرية إلى مخرج من الحرب؟

■ أحمد موسى
ميديا برس ليبانون |بينما تتسارع التحركات العسكرية والدبلوماسية على امتداد الإقليم، يبدو لبنان مرة جديدة عالقاً في قلب صراع أكبر من حدوده، بين الحسابات الإسرائيلية والأميركية من جهة، والخيارات الإيرانية وأوراق الردع الإقليمية من جهة أخرى. وفي قلب هذه المعادلة يبرز مرتفع علي الطاهر باعتباره أكثر من موقع عسكري؛ فهو بات اختباراً لنوايا الأطراف، ومقياساً لاتجاه المنطقة نحو التسوية أو الحرب.

المعلومات المتقاطعة التي تصل إلى بيروت تتحدث عن سباق بين مسارين متناقضين: مسار عسكري إسرائيلي يستعد لاحتمال توسيع المواجهة، ومسار دبلوماسي يبحث عن صيغة تمنع الانفجار وتدفع باتفاق الإطار إلى التنفيذ. وبين المسارين تتحرك وساطة قطرية محتملة، بدعم إقليمي ودولي، تحمل في طياتها مقايضة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.

علي الطاهر… الهدف الذي يتجاوز الجغرافيا

المعطيات الميدانية والسياسية تجعل من علي الطاهر نقطة اختبار فعلية. إسرائيل تنظر إلى المرتفعات الجنوبية من زاوية أمنية وعسكرية، فيما يرى “ح_ز_ب الله” أن أي محاولة لفرض واقع جديد فيها تستهدف تعديل قواعد الاشتباك القائمة. ولذلك فإن أي معركة حول المرتفع قد لا تبقى محصورة في نطاقه الجغرافي، بل يمكن أن تتحول إلى مدخل لتوسيع العمليات جنوباً وربما إلى العمق اللبناني.

ومن هنا تتعامل عواصم عدة مع علي الطاهر باعتباره ورقة تفاوضية وعسكرية في آن واحد: السيطرة عليه بالقوة قد تمنح إسرائيل مكسباً ميدانياً، بينما تفادي المعركة قد يفتح الباب أمام صفقة أوسع.

نتنياهو بين الحساب العسكري والحساب الانتخابي

في تل أبيب، لا يمكن فصل قرار الحرب عن الحسابات السياسية الداخلية. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يدرك أن الحرب الواسعة قد تعيد ترتيب المشهد السياسي الإسرائيلي، لكنها قد تحمل في الوقت نفسه مخاطر يصعب احتواؤها. لذلك تبدو قراراته محكومة بسؤالين متلازمين: ماذا تريد المؤسسة الأمنية والعسكرية؟ وماذا يخدم بقاء حكومته وموقعه في الاستحقاق السياسي المقبل؟.

وفي هذا السياق، تكتسب الاتصالات بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب أهمية خاصة، إذ إن أي عملية واسعة في لبنان تحتاج إلى حساب الموقف الأميركي، وخصوصاً في ظل ارتباط الساحة اللبنانية بالمواجهة الأميركية ـ الإيرانية.

أما التهديدات الإسرائيلية بتوسيع الضربات وصولاً إلى بيروت، فتبدو جزءاً من سياسة الضغط والردع، لكنها تحمل في الوقت نفسه خطر تحويل الضغط إلى مسار تصعيد يصعب ضبطه.

ترامب… ضوء أخضر مشروط؟

القراءة الأكثر واقعية للموقف الأميركي لا تتمثل في السؤال عما إذا كانت واشنطن تؤيد الحرب أو ترفضها، بل في معرفة حدود العملية التي يمكن أن تقبل بها.

فالولايات المتحدة قد تضغط لمنع حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه قد تسمح بعملية عسكرية محدودة إذا اعتبرتها إسرائيل ضرورية لتثبيت الردع.

وهذا هو الفارق بين “الضوء الأخضر للحرب” و”الضوء الأخضر لعملية”. الأول يعني مواجهة مفتوحة، أما الثاني فيعني محاولة إعادة ضبط قواعد الاشتباك بالقوة.

إيران وأوراق الردع… من هرمز إلى باب المندب

على الضفة المقابلة، تتحرك إيران ضمن منظومة أوراق مترابطة. والحديث عن مقايضة علي الطاهر بمضيق هرمز، حتى وإن بقي في إطار التداول السياسي والتحليل، يعكس طبيعة التفكير الإقليمي الحالي: لا توجد جبهة منفصلة تماماً عن الأخرى.

فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، كما أن باب المندب ليس مجرد مسار ملاحي. وأي تصعيد كبير قد يجعل الممرات البحرية جزءاً من معادلة الردع، بما يهدد الطاقة والتجارة العالمية.

والأخطر أن تسخين الجبهة اليمنية قد لا يتوقف عند باب المندب، بل يمكن أن يرفع مستوى المخاطر على منشآت الطاقة وخطوط الإمداد في الخليج، بما فيها المنشآت السعودية.
وهنا تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية.

أميركا والاقتصاد… كلفة الحرب تحت المجهر

في الخلفية، تتحرك الولايات المتحدة ضمن بيئة اقتصادية شديدة الحساسية، مع تضخم الدين الفيدرالي إلى مستويات تاريخية تتجاوز عشرات التريليونات من الدولارات.

ولا يعني ذلك أن الوضع المالي الأميركي يمنع واشنطن من خوض مواجهة، لكنه يفسر ارتفاع حساسية الإدارة الأميركية تجاه كلفة الحروب الطويلة، ولا سيما تلك التي يمكن أن تضرب الطاقة والممرات البحرية والأسواق العالمية.
ولهذا فإن الحساب الأميركي للحرب المقبلة لن يكون عسكرياً فقط؛ بل سيكون اقتصادياً أيضاً.

لبنان… الورقة الأضعف في لعبة الكبار

في هذا المشهد، يبدو لبنان الحلقة الأكثر تعرضاً للضغط. فالبلاد تعاني أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة، فيما تشكل الحدود البرية والمرافئ والمعابر التجارية جزءاً من منظومة المصالح المتشابكة بين لبنان وسوريا ودول الخليج.

ومن هنا تكتسب حركة التصدير عبر معبر المصنع أهمية تتجاوز الجانب التجاري. فالمعبر يمثل شرياناً أساسياً للتجارة البرية اللبنانية باتجاه سوريا والأسواق العربية، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد اللبناني وعلى حركة الصادرات.

ولهذا فإن فتح الطرق التجارية أو تضييقها يمكن أن يتحول، في لحظة سياسية حساسة، إلى أداة ضغط لا تقل أهمية عن الأدوات العسكرية.

الوساطة القطرية… الورقة التي تتحرك في الظل

وسط هذه الصورة، تظهر معلومات متقاطعة من مصادر دبلوماسية أممية وغربية عن تحرك قطري محتمل على خط الأزمة اللبنانية ـ الإسرائيلية.

وبحسب هذه المصادر، فإن موفداً قطرياً رفيع المستوى قد يزور بيروت قريباً في إطار مسعى يحظى بتوافق أو قبول من أطراف إقليمية ودولية، بينها تركيا والسعودية والولايات المتحدة وإيران، بهدف منع اندلاع حرب إسرائيلية واسعة على لبنان ودفع اتفاق الإطار نحو التنفيذ.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن أهمية الوساطة لا تكمن فقط في هوية الوسيط، بل في طبيعة الورقة التي يحملها.

ماذا تتضمن الورقة القطرية؟

بحسب المصادر نفسها، تقوم الصيغة المقترحة على تسوية متعددة المراحل، أبرزها:

أولاً: سحب السلاح الثقيل لـ”ح_ز_ب الله” من لبنان، مع طرح إعادته إلى إيران باعتبارها الجهة التي جاء منها جزء من هذا السلاح.

ثانياً: إخلاء جنوب الليطاني من السلاح، وتسليم المنطقة أمنياً وعسكرياً للجيش اللبناني.

ثالثاً: معالجة ملف السلاح المتوسط والخفيف شمال الليطاني من خلال تفاهم مباشر بين “ح_ز_ب الله” والجيش اللبناني، بدلاً من فرضه خارجياً.

رابعاً: توفير غطاء عربي ودولي لخروج مقاتلي الحزب من جنوب الليطاني.

وفي المقابل، تتضمن الصيغة المقترحة مساراً مقابلاً من الالتزامات:

– انسحاب إسرائيلي من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة.
– ترسيم الحدود البرية والبحرية.
– ضمانات دولية بعدم استهداف لبنان.
– وقف الانتهاكات الإسرائيلية براً وبحراً وجواً.
– الإفراج عن الأسرى.
– إطلاق مسار إعادة الإعمار.
– توفير مظلة عربية ودولية لتنفيذ التفاهم.

أما الجانب الأكثر حساسية، فيتمثل في المقابل السياسي الداخلي الذي تتحدث عنه الورقة، من خلال ضمانات ومكاسب سياسية للحزب تبدأ من رئاسة الجمهورية وتمتد إلى مجلس النواب والحكومة والإدارات العامة وقيادة الجيش.

وهذا البند، إذا صح وجوده بهذه الصيغة، هو الأكثر تعقيداً، لأنه ينقل التسوية من ملف أمني حدودي إلى إعادة ترتيب جزء من التوازنات السياسية اللبنانية.

هل نحن أمام “صفقة كبرى”؟

لا يمكن التعامل مع الورقة القطرية باعتبارها اتفاقاً ناجزاً، ولا يمكن الجزم بأن جميع تفاصيلها تحظى بموافقة الأطراف المعنية.

لكن مجرد تداول صيغة بهذا الحجم يكشف أن الاتصالات دخلت مرحلة البحث عن سلة متكاملة بدلاً من معالجة الملفات بنداً بنداً.

فلا يكفي سحب السلاح من الجنوب إذا بقي الاحتلال. ولا يكفي الانسحاب الإسرائيلي إذا بقي السلاح خارج إطار الدولة. ولا تكفي الضمانات الدولية إذا لم تترافق مع ترتيبات سياسية لبنانية قادرة على حماية التسوية.
وهذا تحديداً ما يجعل الوساطة القطرية، إذا تأكدت، مختلفة عن محاولات التهدئة السابقة.

الاختبار الحقيقي: إسرائيل أولاً

يبقى السؤال الأصعب: هل تقبل إسرائيل بهذه المعادلة؟.
تل أبيب تريد ضمانات أمنية طويلة الأمد، وتريد منع عودة أي قدرة عسكرية تعتبرها تهديداً إلى الجنوب. لكنها في الوقت نفسه تتمسك بحقها في التحرك العسكري عندما ترى أن أمنها مهدد.
وهذا يتعارض جوهرياً مع أي صيغة لبنانية تقوم على ضمان عدم انتهاك السيادة.

لذلك فإن نقطة الفصل ستكون في آلية الضمان والتنفيذ: من يراقب؟ من يضمن؟ ماذا يحدث عند الخرق؟ وهل توجد جهة دولية قادرة فعلاً على إلزام إسرائيل ولبنان معاً؟.

الخطر اليمني… ما بعد باب المندب

أي تسوية في لبنان لا يمكن أن تنجح إذا انفجرت جبهة أخرى في الإقليم.
فعودة الحوثيين إلى التصعيد تعني أن أي حرب أميركية ـ إيرانية أو إسرائيلية ـ إيرانية يمكن أن تجد ترجمة مباشرة في البحر الأحمر. وعندها تصبح الممرات البحرية، والطاقة، والمنشآت النفطية، جزءاً من معادلة الحرب.

وهذا هو السيناريو الذي تخشاه الأسواق قبل العواصم: حرب تبدأ في جنوب لبنان، ثم تتوسع إلى سوريا واليمن والبحر الأحمر والخليج، فتتحول إلى أزمة طاقة وتجارة عالمية.

بين صفقة الدوحة وحسابات تل أبيب

لبنان اليوم أمام مفترق بالغ الخطورة. على الأرض، إسرائيل ترفع سقف التهديد، وعلي الطاهر يتحول إلى نقطة اشتباك محتملة. في واشنطن، تُدار الحسابات بين الردع ومنع الحرب الشاملة. في طهران، تتعدد أوراق الضغط من لبنان إلى هرمز. وفي اليمن، تظهر مؤشرات على إمكان فتح جبهة جديدة. أما بيروت، فتحاول شراء الوقت بالدبلوماسية وسط اقتصاد هش وبيئة سياسية شديدة الانقسام.

وفي الظل، تبرز قطر كمرشح لحمل ورقة تسوية تجمع الأمن بالسياسة، والسلاح بالانسحاب، والحدود بالضمانات، وإعادة الإعمار بالمكاسب السياسية.

لكن هذه الورقة لن تصبح اتفاقاً ما لم تتوافر لها ثلاثة شروط: قبول إقليمي، وضمان أميركي، والتزام إسرائيلي واضح بوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، إلى جانب توافق لبناني داخلي على آلية التنفيذ.
أما علي الطاهر، فسيبقى حتى ذلك الحين نقطة القياس. فإذا هدأت الجبهة هناك، قد تكون الدبلوماسية قد سبقت الحرب. أما إذا تحولت الهضبة إلى معركة حسم، فقد يكون ذلك المؤشر الأخطر على أن الوقت الدبلوماسي انتهى، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم قواعد الاشتباك بالنار.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والتحليل السياسي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا