الجحيم اللبناني بين مافيات الداخل وضغوط الخارج… محفوظ: غضب النخب يتصاعد والتحذير من «أمركة» لبنان
ميديا برس ليبانون _ في توصيف سياسي وفكري للواقع اللبناني، وضع رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ لبنان أمام معادلة «الجحيمين»: إسرائيل بوصفها «جحيم لبنان الخارجي»، والطائفية السياسية بوصفها «جحيم لبنان الداخلي»، معتبراً أن التناغم بينهما يحول دون قيام دولة لبنانية فعلية، ويعيد إنتاج سلطة طائفية قائمة على التقاسم والمحاصصة.
ونشرت “الوكالة الوطنية للإعلام” حواراً مع محفوظ، استعاد فيه مقولة مؤسس الفلسفة الوجودية جان بول سارتر عن الجحيم، ليُسقطها على الحالة اللبنانية، حيث رأى أن استمرار الصراع بين الداخل والخارج أبقى لبنان في دائرة الأزمات، ومنع نشوء متحد اجتماعي وطني قادر على بناء دولة فعلية.
وأشار محفوظ إلى أن هذه الرؤية تتقاطع مع أفكار عدد من الشخصيات والنخب اللبنانية، بدءاً من المفكر القومي أنطون سعادة، مروراً بالإمام السيد موسى الصدر، وصولاً إلى اللواء الرئيس فؤاد شهاب، فضلاً عن نخبة فكرية وثقافية لا تزال تبحث عن صيغة للخروج من الحلقة الطائفية المغلقة.
كسبار… «قصقص ورق ساويهم الناس» وغضب النخب
وتوقف محفوظ عند ما طرحه نقيب المحامين السابق ناضر كسبار في مقاله «قصقص ورق ساويهم الناس»، ولا سيما ملاحظته حول غياب معيار «الشخص المناسب في المكان المناسب» في الإدارة اللبنانية.
ورأى أن تشخيص كسبار يلامس جوهر أزمة الإدارة والدولة، إذ إن اعتماد معايير بعيدة عن الكفاءة يؤدي، وفق محفوظ، إلى الفشل في أداء المهمات وتراجع مستوى المؤسسات والمراكز العامة، فيما يتنامى الغضب لدى شخصيات أكاديمية وثقافية واجتماعية أمام استمرار الواقع نفسه.
واعتبر أن السؤال الذي يطرحه كسبار، «متى يستفيق المسؤولون؟»، لم يعد سؤالاً نخبوياً، بل بات يعكس حالة عامة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.
من الكهرباء إلى الدواء… مافيات تحكم المشهد
وفي قراءة أكثر حدة للواقع الاجتماعي والاقتصادي، قال محفوظ إن غالبية اللبنانيين تلتقي مع ملاحظات كسبار حول «مافيات الكهرباء والبنزين والغذاء والدواء»، إلى جانب شبكات التهريب والترويج للمخدرات، ولا سيما بين طلاب الجامعات، وما وصفه بسطوة هذه المافيات داخل المجتمع الأهلي، مستفيدة من حمايات «منظورة وغير منظورة».
وبرأيه، لم تعد المشكلة محصورة في قطاع أو مؤسسة، بل باتت مرتبطة ببنية كاملة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل الإصلاح أكثر صعوبة ويعمّق شعور المواطنين بأن الدولة عاجزة عن استعادة دورها.
خطاب القسم… آمال تراجعت أمام اختبار الأفعال
ولفت محفوظ إلى أن النخب الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية علّقت آمالاً كبيرة على خطاب القسم لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، خصوصاً ما تضمنه من عناوين تتصل بالإصلاح السياسي والإداري، ومواجهة الفساد، وبناء دولة عادلة وقادرة، والخروج من مفهوم «الدولة الفاشلة».
وأضاف أن الرهان كان أيضاً على ترسيخ المواطنة الواحدة، وتعزيز المشترك بين اللبنانيين، وتحقيق الإنماء الشامل، وربط المركز بالأطراف، وبناء الحاضنة الاجتماعية للدولة، وإحياء دور المؤسسات الرقابية وغير الرقابية.
إلا أن هذه الآمال، بحسب محفوظ، «تراجعت نسبياً»، لأن العبرة تبقى في الأفعال، حتى الصغيرة منها، في ظل الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها لبنان، مشيراً إلى أن النوايا قد تكون طيبة، لكن «الاستعصاءات» داخل السلطة الطائفية لا تزال كثيرة.
«أيام الغضب»… حراك جديد من دون أخطاء 2019؟
وفي هذا السياق، كشف محفوظ عن تداول فكرة إعداد دعوة من جانب عدد من الأكاديميين والنخب الفكرية، الذين يعكسون حالة الغضب التي أشار إليها كسبار، لتنظيم أيام احتجاج شعبي تحت عناوين تتصل مباشرة بأزمات اللبنانيين.
وتشمل العناوين المطروحة، وفق محفوظ: يوم الكهرباء، يوم الدواء، يوم الفساد، يوم الإصلاح السياسي والإداري، يوم الغذاء، يوم الإنماء، يوم المحاصصة، يوم المافيات، يوم موظفي القطاع العام، ويوم النقابات.
وأوضح أن أصحاب هذه الدعوة يحرصون، في حال إطلاق هذا الحراك، على عدم تكرار تجربة «الحراك الشعبي» عام 2019، معتبرين أن أحد أبرز أسباب تعثر التجربة السابقة كان غياب الرؤية السياسية الواضحة، الأمر الذي انتهى، بحسب توصيفه، إلى اليأس والإحباط.
بين الإصلاح الداخلي و«الخريطة الأميركية»
لكن محفوظ يذهب أبعد من مجرد الدعوة إلى حراك اجتماعي، محذراً من أن استمرار العجز الداخلي قد يفتح الباب أمام خيارات خارجية أكثر تأثيراً في مستقبل لبنان.
وفي هذا الإطار، رأى أن الهدف من أي حراك جديد يجب أن يكون تحريك خطاب القسم للرئيس جوزاف عون وتحويله من عناوين سياسية إلى ممارسة فعلية، لأن البديل، وفق تحذيره، قد يكون ترك الساحة أمام مشاريع خارجية لإعادة رسم مستقبل لبنان.
وأشار إلى المبعوث الأميركي توم برّاك، الذي وصفه بأنه «مهندس الخريطة الأميركية في المنطقة»، معتبراً أنه يريد تحويل لبنان إلى «منصة أميركية لإدارة شؤون المنطقة وأمركته»، بالتوازي مع إعادة بناء الدولة.
وبحسب محفوظ، فإن هذا المشروع قد يُقدَّم للبنانيين من خلال عناوين جذابة، بينها إعادة أموال المودعين، ومواجهة الفساد، ومصادرة الأموال والمليارات، وتحرير قطاع النفط والغاز، وهي ملفات تمس مباشرة أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى اللبنانيين.
لبنان… ساحة صراع أم فرصة استثمار؟
وختم محفوظ بالقول إن لبنان يشكل، في الحسابات الأميركية، عنصر إغراء بما يمتلكه من ثروات نفطية وغازية، وطبيعة خلابة، فضلاً عن موقعه الجغرافي والحضاري الذي يربطه بالغرب.
وبين «جحيم الداخل» المتمثل بالطائفية والمحاصصة والمافيات، و«جحيم الخارج» المتمثل بالضغوط الإسرائيلية والدولية والإقليمية، يضع محفوظ لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن تنجح الدولة في ترجمة شعارات الإصلاح إلى أفعال، وإما أن تترك فراغاً قد تتقدم القوى الخارجية لملئه ورسم خريطة جديدة للبلاد.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والتحليل



اترك تعليقًا