المشهد السياسي من مواقع «ميديا برس ليبانون»: الجنوب بين «التفاوض بالنار» وخطة إسرائيلية لإعادة رسم المنطقة الأمنية

المشهد السياسي من مواقع «ميديا برس ليبانون»: الجنوب بين «التفاوض بالنار» وخطة إسرائيلية لإعادة رسم المنطقة الأمنية


مصادر سياسية لـ«ميديا برس ليبانون»: سقوف العملية العسكرية الإسرائيلية غائبة والتحذيرات تتصاعد من انفلات الجبهة الجنوبية… ومصادر دبلوماسية: ميشال عيسى يسعى إلى انتزاع تقدّم قبل الدخول في الأيام الانتخابية الفاصلة




 إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – أحمد موسى _ القسم السياسي _ لم يعد التصعيد الإسرائيلي في الجنوب مجرد سلسلة من الخروقات المتفرقة، بل يتقدم، وفق معطيات سياسية وميدانية متقاطعة، نحو مسار أكثر اتساعاً قد يفرض وقائع أمنية وجغرافية جديدة قبل استئناف المفاوضات المرتقبة في روما. وبينما تستعد بيروت لجولة تفاوضية يفترض أن تبحث وقف الاعتداءات والانسحاب وترتيبات المرحلة المقبلة، تتحرك إسرائيل ميدانياً على قاعدة تبدو مختلفة: فرض الوقائع أولاً، والتفاوض على نتائجها لاحقاً.

وتقول مصادر سياسية لـ«ميديا برس ليبانون» إن سقوف العملية العسكرية الإسرائيلية لا تبدو واضحة في هذه المرحلة، مشيرة إلى وجود تقديرات جدية بأن العمليات قد تمتد إلى مناطق تعتبرها إسرائيل ذات طبيعة عسكرية أو استراتيجية مرتبطة بح_ز_ب الله.

وتحذر المصادر نفسها من أن التطورات الأخيرة تحمل مخاطر جدية، ليس فقط لناحية اتساع رقعة الاستهدافات، وإنما لناحية إمكانية تفلّت الجبهة الجنوبية من الضوابط القائمة، خصوصاً إذا استمرت العمليات العسكرية بالتزامن مع خطوات ميدانية ترسم واقعاً جديداً على الأرض.

علي الطاهر: العقدة التي تسبق روما

في أحدث المعطيات المتداولة، برز مرتفع علي الطاهر كإحدى النقاط الأكثر حساسية في المشهد. فقد أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي يستعد خلال أيام لتفجير أنفاق في المنطقة، فيما نقل مراسل «i24» العبري أن الجيش ينتظر موافقة المستوى السياسي لتنفيذ عملية تدمير الأنفاق، وسط تقديرات بأن حزب الله قد يدفع باتجاه رد إيراني في حال استهداف المرتفع.

وبالتوازي، أفادت هيئة البث بأن مسيّرتين مفخختين أُطلقتا باتجاه قوات إسرائيلية عاملة في مرتفع علي الطاهر من دون وقوع إصابات، لترد إسرائيل بغارات واسعة في جنوب لبنان، طاولت إحداها مبنى في النبطية الفوقا كان مستخدماً سابقاً كمستشفى، ما أدى، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى مقتل شخص وإصابة آخرين.

لكن الأخطر في هذه الوقائع لا يكمن في الضربة بحد ذاتها، بل في المعادلة التي بدأت تتشكل حول منطقة علي الطاهر، والتي تجمع بين الأنفاق، والانتشار العسكري الإسرائيلي، واحتمال الرد، ثم انتقال الملف إلى طاولة المفاوضات.

«الخط الأصفر» و«الخط الرمادي»: هل يجري تثبيت واقع أمني جديد؟

اللافت في المعلومات الإسرائيلية المتداولة هو الحديث عن خطة انسحاب يفترض عرضها على قائد المنطقة الشمالية ثم على المستوى السياسي.
وبحسب هيئة البث، تقضي الخطة، بعد تدمير الأنفاق في علي الطاهر، بانسحاب القوات الإسرائيلية من «الخط الأصفر» والتمركز عند ما يسمى «الخط الرمادي»، على مسافة تتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات عن الحدود الإسرائيلية، مع إقامة نحو 20 موقعاً عسكرياً دائماً.

وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة لا تبدو مجرد انسحاب عسكري بالمعنى التقليدي، بل إعادة تعريف لطبيعة الانتشار الإسرائيلي وآليات السيطرة على المنطقة التي سيتم إخلاؤها، عبر الاعتماد على المراقبة الجوية والاستطلاع وطائرات سلاح الجو لضرب أي خلايا مسلحة يتم رصدها.

وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسية: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى السيادة اللبنانية، وإلى عودة السكان، وإلى شكل المنطقة الحدودية في مرحلة ما بعد المفاوضات؟.

فبحسب هيئة البث، نقلت إسرائيل عبر الولايات المتحدة رسالة إلى الحكومة اللبنانية مفادها أن عودة السكان إلى المناطق التي سيتم إخلاؤها لن تكون مسموحة في المرحلة الحالية، على أن تُبحث قضية العودة ضمن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل المتوقع استئنافها في روما الأسبوع المقبل.

بمعنى آخر، فإن حق العودة نفسه يبدو أنه يتحول إلى بند تفاوضي، بعدما كان يفترض أن يكون نتيجة طبيعية لأي انسحاب ووقف للأعمال العدائية.

من النبطية وكفررمان إلى عربصاليم: الميدان يسبق السياسة

على الأرض، تتراكم المشاهد التي تجعل الحديث عن «وقف الأعمال العدائية» أكثر تعقيداً.
من النبطية وكفررمان إلى عربصاليم، ومن المنازل إلى المرافق الصحية، تتسع دائرة الأضرار والاستهدافات، فيما تتقدم الوقائع الميدانية بوتيرة أسرع من المسار الدبلوماسي.

والأكثر دلالة أن الاستهداف لم يعد محصوراً، وفق المعطيات المتداولة، بمواقع عسكرية مفترضة، بل طال أيضاً مرافق ومؤسسات لبنانية، الأمر الذي دفع الرئاسة اللبنانية والحكومة ومجلس النواب إلى رفع مستوى الخطاب السياسي.

فالرئيس جوزاف عون حمّل إسرائيل مسؤولية التصعيد، معتبراً أن الاعتداءات تجاوزت الخروقات المتكررة إلى استهداف مؤسسات الدولة ومرافقها ومراكزها الصحية، وداعياً الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف الخروقات ومحاسبة مرتكبيها، بالتوازي مع تأكيد التزام لبنان بما يحفظ سيادته واستقرار جنوبه.
وفي السرايا الحكومية، تحرك رئيس الحكومة نواف سلام باتجاه النبطية، مؤكداً أن الاعتداءات لن تثني الحكومة عن دعم عودة أبناء المنطقة وصمودهم، والعمل على استمرار المرافق العامة وتلبية حاجات المواطنين.
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فذهب في توصيفه إلى اعتبار ما يجري من «جرائم» بمثابة إرهاب دولة، مؤكداً أن إسرائيل لم تلتزم بصيغ وقف إطلاق النار والتفاهمات القائمة.

لكن بري أضاف إلى المشهد بعداً سياسياً أكثر اتساعاً، حين ربط ما يجري بالاستحقاق الانتخابي المقبل، محذراً من تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى ساحة للصراع السياسي والانتخابي.

اتفاق الإطار: أين انتهى النص وبدأت الوقائع؟

هنا تبرز العقدة الأساسية. فإذا كان «اتفاق الإطار» قد وُضع أصلاً لتوفير مسار تفاوضي يفضي إلى معالجة القضايا الأمنية والحدودية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
ماذا بقي من الاتفاق إذا كانت الوقائع الميدانية تتغير قبل الوصول إلى طاولة التفاوض؟.

فالضربات، والأنفاق، والانتشار، وخطوط الانسحاب، والمواقع العسكرية الدائمة، ومنع عودة السكان، كلها ملفات يُفترض أن تكون جزءاً من النقاش السياسي؛ لكنها تبدو اليوم وكأنها تُرسم أولاً على الأرض، قبل أن تُطرح على طاولة المفاوضات.

وهذا ما يجعل المشهد أقرب إلى «التفاوض بالنار»: كل ضربة تحمل رسالة سياسية، وكل إعادة انتشار تتحول إلى ورقة تفاوضية، وكل منطقة يتم إخلاؤها أو استهدافها تصبح جزءاً من معادلة ما بعد الحرب.

ميشال عيسى أمام مهمة «الخرق» قبل الانتخابات

وفي موازاة التصعيد الميداني، تشير مصادر دبلوماسية لـ«ميديا برس ليبانون» إلى أن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى يحاول في هذه المرحلة تحقيق مكسب أو تقدم في المسار التفاوضي مع إسرائيل، قبل دخول الأيام الفاصلة المرتبطة بالانتخابات.

وتكتسب هذه المحاولة أهمية خاصة، وفق المصادر، لأن هامش الحركة الدبلوماسية قد يصبح أكثر ضيقاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتداخل الحسابات السياسية والأمنية فيها.

وبالتالي، فإن واشنطن تبدو أمام اختبار مزدوج: منع التصعيد من التحول إلى مواجهة أوسع، وفي الوقت نفسه تحقيق اختراق تفاوضي يمكن البناء عليه في روما.

لكن السؤال الأصعب يبقى: هل تستطيع الدبلوماسية الأميركية أن تسبق الميدان، أم أن الميدان سيصل إلى روما محمّلاً بشروطه الجديدة؟.

روما تحت ضغط النار

حتى الآن، يبدو المشهد اللبناني أمام مسارين متناقضين.
الأول دبلوماسي، عنوانه روما والتفاوض والبحث عن وقف الاعتداءات والانسحاب وترتيبات ما بعد التصعيد.
والثاني ميداني، عنوانه الغارات، تدمير الأنفاق، إعادة الانتشار، المواقع العسكرية، ومنع العودة إلى مناطق يجري إخلاؤها.
وبين المسارين، تتراجع المسافة الفاصلة بين «الخروقات» و«إعادة تشكيل الواقع الأمني».

فإذا كانت إسرائيل تستعد لتثبيت مواقع جديدة على «الخط الرمادي»، وإذا كانت عودة السكان ستتحول إلى مادة تفاوضية، وإذا كانت عملية تدمير أنفاق علي الطاهر قد تشكل نقطة تصعيد جديدة، فإن اجتماع روما لن يبدأ من نقطة الصفر، بل من وقائع فرضتها النار على الأرض.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة المقبلة.

من يفرض شروط الطاولة؟

لبنان ذاهب إلى روما حاملاً مطلب وقف الاعتداءات والانسحاب وعودة السكان وحماية سيادته، فيما تدخل إسرائيل إلى المسار التفاوضي وهي تسعى، وفق معطياتها الميدانية، إلى تكريس واقع أمني جديد.
وبينما يتحرك الوسطاء لمحاولة انتزاع تقدم قبل أن تغلق الانتخابات هوامش المناورة، يستمر الجنوب في دفع الثمن.

السؤال لم يعد فقط: ماذا ستنتج مفاوضات روما؟

بل أصبح: هل ستنجح المفاوضات في تغيير الوقائع التي فرضتها إسرائيل بالنار، أم أن طاولة روما ستجد نفسها أمام خريطة أمنية جديدة يُطلب من لبنان التفاوض على تفاصيلها بعد أن رُسمت ميدانياً؟.

حتى ذلك الحين، يبقى الجنوب معلّقاً بين تفاوضٍ لم يبدأ بعد وتصعيدٍ لا يبدو أن سقوفه قد اتضحت، فيما كل انفجار جديد قد يحمل معه بنداً إضافياً إلى الطاولة، وكل موقع عسكري جديد قد يتحول إلى ورقة ضغط في المفاوضات المقبلة.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي  


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا