مرفأ بيروت يستعيد بوصلته: 3 ملايين حاوية ونافذة جديدة على المتوسط
سلام: التوسعة ليست مشروعًا إنشائيًا فقط.. بل خطوة لاستعادة دور لبنان التجاري واللوجستي
بيروت – خاص ميديا برس ليبانون _ أحمد موسى _ من قلب مرفأ بيروت، حيث تختزن المدينة ذاكرة قرابة قرن ونصف من التجارة والانفتاح على العالم، انطلقت اليوم إشارة جديدة إلى محاولة استعادة هذا المرفق الحيوي دوره الاقتصادي والاستراتيجي، مع وضع حجر الأساس لتوسعة محطة الحاويات، برعاية وحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام.
المشروع، كما وصفه سلام، لا يمثل مجرد توسعة إضافية في منشآت المرفأ، بل نافذة جديدة للبنان على العالم وخطوة عملية في مسار استعادة مرفأ بيروت موقعه الطبيعي بين أبرز مرافئ شرق البحر المتوسط، بما يجعله مجددًا أحد روافد الاقتصاد اللبناني وممرًا للتجارة الإقليمية والدولية.
من 1.3 إلى 3 ملايين حاوية
وفي كلمة خلال المناسبة، أكد رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمرفأ بيروت مروان النفي أن المرفأ، منذ 139 عامًا، بقي شاهدًا على تحولات المنطقة وتبدل طرق التجارة والأزمات والحروب، مشددًا على أن مسيرته لم تنتهِ في الرابع من آب.
وأوضح أن المرحلة الجديدة تمثل المرحلة الثالثة والأكبر في تاريخ محطة الحاويات، بحيث سترتفع مساحة المحطة من نحو 45 هكتارًا إلى أكثر من 75 هكتارًا، فيما سترتفع قدرتها الاستيعابية من 1.3 مليون إلى 3 ملايين حاوية بحلول عام 2028.
أرقام تحمل أكثر من دلالة اقتصادية، لأنها تعني عمليًا محاولة نقل المرفأ من مرحلة استعادة القدرة التشغيلية إلى مرحلة المنافسة مجددًا على حركة الملاحة والتجارة في شرق المتوسط.
سلام: الجغرافيا فرصة.. لكنها لا تصنع النجاح وحدها
وفي خطابه، شدد رئيس الحكومة على أن مرفأ بيروت لم يكن يومًا مجرد أرصفة ومستودعات ورافعات، بل كان جزءًا من تاريخ العاصمة وهويتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبوابة ربطت لبنان بالأسواق العربية والأوروبية والعالمية.
لكن سلام وضع معادلة واضحة أمام مشروع النهوض: الموقع الجغرافي المميز يمنح لبنان فرصة، لكنه لا يضمن النجاح.
فالمنافسة بين مرافئ شرق المتوسط، بحسب رؤيته، باتت ترتكز على الإدارة الرشيدة، وسرعة إنجاز المعاملات، وشفافية الإجراءات، والتحول الرقمي، والبنية التحتية، وشبكات النقل التي تربط المرفأ بعمقه الداخلي والإقليمي.
ومن هنا، لا يمكن أن تكون توسعة محطة الحاويات مشروعًا منفصلًا عن إصلاح طريقة إدارة المرفق العام نفسه.
مرفأ رقمي وآمن وشفاف
الرؤية الحكومية التي عرضها سلام تقوم على مرفأ حديث تدار عملياته وفق المعايير المهنية والدولية، ضمن حوكمة واضحة تحدد المسؤوليات وتحد من الهدر وتمنع تضارب الصلاحيات.
كما شدد على ضرورة التحول نحو مرفأ رقمي يسرّع المعاملات ويخفض الكلفة ويحد من الاستنسابية، ويمنح المستوردين والمصدرين بيئة أكثر ثقة واستقرارًا.
أما الأمن والسلامة، فحضرا في قلب الخطاب، خصوصًا أن المكان يحمل ذاكرة الرابع من آب 2020، عندما تحولت كارثة المرفأ إلى جرح وطني وإنساني عميق.
وقال سلام بوضوح إن تطوير المرفأ لا يمكن فصله عن تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين، وإن ذكرى الضحايا تبقى أمانة وطنية وأخلاقية تفرض إدارة أكثر مسؤولية للمرفق، بما يمنع تكرار مآسي الإهمال والفوضى وانعدام المسؤولية.
من البحر إلى البقاع.. مشروع مرفأ بعمق بري
الأكثر أهمية في الرؤية المطروحة أن مرفأ بيروت لا يُراد له أن يبقى منفصلًا عن شبكة النقل اللبنانية.
فاستعادة دوره كمركز للترانزيت وإعادة التصدير تحتاج، إلى جانب توسعة محطة الحاويات، إلى معالجة الطرق المؤدية إليه، وتخفيف الازدحام عند مداخله، وتطوير شبكة نقل متكاملة تشمل السكك الحديدية والأنفاق والمرافئ الجافة.
وفي هذا السياق، كشف سلام عن البدء بإعداد دراسة حول وصل مرفأ بيروت بالبقاع عبر نفق وخط للسكك الحديدية.
وهنا تتحول المسألة من توسعة مرفق بحري إلى تصور أوسع لربط المرفأ بالداخل اللبناني والأسواق الإقليمية، بما يعزز قدرته على التحول إلى منصة لوجستية متقدمة في شرق المتوسط.
مرفأ بيروت وطرابلس وجونية وصيدا.. التكامل بدل التنافس
كما شدد سلام على ضرورة تحقيق التكامل بين مرفأ بيروت وسائر المرافئ اللبنانية، ولا سيما طرابلس وجونية وصيدا، ضمن سياسة وطنية متكاملة للنقل البحري.
فالرهان، وفق هذه الرؤية، ليس على مرفأ واحد بمعزل عن الآخر، بل على شبكة مرافئ وخدمات ونقل قادرة على خدمة الاقتصاد اللبناني وتعزيز موقعه في حركة التجارة الإقليمية.
من الرافعات إلى فرص العمل
ولا يتوقف المشروع عند الأرقام التشغيلية.
فرئيس الحكومة ربط تطوير المرفأ أيضًا بخلق فرص عمل جديدة أمام الشباب اللبناني في قطاعات النقل البحري والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا وإدارة سلاسل الإمداد، مؤكدًا أن مستقبل المرفق لا يبنى بالرافعات والمساحات وحدها، بل بالاستثمار في الإنسان والخبرات اللبنانية.
وهنا تبرز معادلة أساسية: المرفأ الحديث يحتاج إلى بنية تحتية حديثة، لكنه يحتاج أيضًا إلى إدارة حديثة وكفاءات بشرية مؤهلة.
مرفأ بيروت كاختبار للدولة
في ختام خطابه، وضع سلام مشروع توسعة المرفأ في سياق أوسع من الاقتصاد والتجارة، معتبرًا أن تطوير المرفق جزء من مشروع إعادة بناء الدولة نفسها.
فالمرفق العام، وفق هذه الرؤية، لا يمكن أن ينجح في ظل الغموض الإداري أو الاستثناءات أو التدخلات في التشغيل، فيما تحتاج استعادة ثقة شركات الملاحة والمستثمرين إلى قواعد مستقرة وقضاء مستقل وإدارة فاعلة، وإلى تعاون متوازن بين القطاعين العام والخاص.
هل يعود المرفأ بوابة لبنان؟
وضع حجر الأساس لتوسعة محطة الحاويات لا يعني أن مرفأ بيروت استعاد بعد دوره التاريخي، لكنه يمثل اختبارًا جديدًا لقدرة لبنان على تحويل موقعه الجغرافي إلى قوة اقتصادية فعلية.
من 45 إلى أكثر من 75 هكتارًا، ومن 1.3 إلى 3 ملايين حاوية، تبدو الأرقام كبيرة، لكن التحدي الأكبر يقع خارج حدود محطة الحاويات نفسها: في الإدارة، والحوكمة، والسلامة، والقضاء، والطرق، والسكك الحديدية، والربط بالبقاع، والتكامل بين المرافئ.
فالمرفأ الذي ينفتح على البحر ولا يرتبط بعمقه البري يبقى ناقصًا، أما المرفأ الذي تتكامل فيه الأرصفة مع الطرق والسكك والأنفاق والمرافئ الجافة والتكنولوجيا والإدارة الرشيدة، فيمكن أن يتحول إلى قاطرة للنمو لا مجرد نقطة عبور للبضائع.
ويبقى الرابع من آب حاضرًا في الذاكرة: فالنهوض الحقيقي لا يعني فقط إعادة تشغيل الرافعات، بل بناء مرفق أكثر أمانًا وشفافية ومسؤولية، يحفظ ذاكرة الضحايا ويمنع تكرار أسباب الكارثة.
مرفأ بيروت كان يومًا نافذة لبنان على العالم، والتحدي اليوم أن تتحول هذه النافذة من ذاكرة الماضي إلى بوابة فعلية نحو المستقبل.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الاقتصادي والإنمائي






اترك تعليقًا