جلسة المساءلة تُكرّس الانقسام… وباريس تعيد وضع الجيش في قلب المعادلة الدولية
ميديا برس ليبانون _ أحمد موسى _ لم تنجح جلسة مساءلة الحكومة في مجلس النواب في نقل النقاش اللبناني من مربع الاصطفافات السياسية إلى مساحة تقييم الأداء التنفيذي، بل كشفت مجدداً عمق التباعد حول الخيارات السيادية والأمنية والسياسية التي تحكم المرحلة. وفي ختام الجلسة، حصلت حكومة الرئيس نواف سلام على 68 صوتاً بالثقة مقابل 12 صوتاً بحجبها، مع امتناع نائبين عن التصويت، لتجتاز بذلك اختباراً نيابياً جديداً من دون أن تتبدل المعادلة السياسية التي تحيط بها.
لكن الرقم النيابي، على أهميته الدستورية والسياسية، لا يحجب السؤال الأهم: هل كانت الجلسة مساءلة فعلية لأداء الحكومة، أم اختباراً جديداً للانقسام السياسي حول هوية المرحلة المقبلة؟.
مساءلة الحكومة… أم إعادة إنتاج الاصطفاف؟
أظهرت مداخلات النواب أن الملفات السيادية والأمنية والعلاقة مع الخارج احتلت مساحة واسعة من النقاش، فيما بدت الملفات الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية أقل حضوراً من حجم تأثيرها المباشر في حياة اللبنانيين.
وتذهب قراءات سياسية إلى أن المجلس بدا منقسماً حول مقاربتين متعارضتين لمسار الدولة: مقاربة تشدد على تعزيز القرار المؤسساتي وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، وأخرى تربط معالجة ملف السلاح والقدرات الدفاعية اللبنانية بالتهديد الإسرائيلي والتوازنات الإقليمية.
ولا يعني ذلك اختزال المشهد النيابي حكماً في ثنائية واحدة، إلا أن جلسة المساءلة أظهرت أن الخلاف على الحكومة يتجاوز تقييم أدائها الوزاري إلى سؤال أكبر يتعلق باتجاه الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة.
وهنا تكمن المفارقة: كلما ارتفع منسوب النقاش حول الملفات السيادية، تراجع حضور الأسئلة اليومية التي يفترض أن تكون في صلب أي مساءلة برلمانية؛ من الكهرباء والمياه إلى الاستشفاء والتعليم والقدرة الشرائية والإصلاح المالي وفرص العمل.
68 صوتاً… ماذا تعني سياسياً؟
أعطت نتيجة التصويت الحكومة هامشاً نيابياً واضحاً للاستمرار. وقد وصفت تغطيات سياسية النتيجة بأنها تجديد للثقة بالحكومة للمرة الثالثة، فيما رأت قراءات أخرى أن الجلسة لم تغيّر في موازين القوى التي تسمح للحكومة بمواصلة عملها.
لكن الثقة البرلمانية لا تعني انتهاء المساءلة، بل تنقلها إلى مرحلة أخرى: مساءلة الأداء والنتائج.
فالحكومة باتت مطالبة، بعد تجديد الثقة، بأن تثبت أن قدرتها على الصمود داخل المجلس النيابي يمكن ترجمتها إلى قدرة تنفيذية خارج المجلس؛ وأن تتحول بيانات الإصلاح إلى خطوات ملموسة، والسياسات العامة إلى نتائج، والقرارات السيادية إلى مؤسسات قادرة على تنفيذها.
وهذا هو الاختبار الذي يتجاوز أرقام التصويت.
من بيروت إلى باريس… تبدّل مسرح الاختبار
وبالتوازي مع المشهد النيابي، ينتقل الملف اللبناني إلى باريس، حيث يُعقد في 17 أيلول الاجتماع الدولي التحضيري لدعم القوات المسلحة اللبنانية، برئاسة فرنسية–لبنانية–أردنية، وبمشاركة دولية واسعة على مستوى القيادات العسكرية وممثلين عن دول ومنظمات دولية.
ويحضر الرئيس جوزاف عون الاجتماع في لحظة شديدة الحساسية، بعدما بات مستقبل الجنوب، ودور الجيش، ومستقبل «اليونيفيل»، وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، مترابطة في مسار سياسي وأمني واحد.
وبحسب المعطيات المنشورة حول الاجتماع، فإن باريس لا تتعامل معه باعتباره مؤتمراً نهائياً لجمع الأموال وتوزيع المساعدات، بل محطة تحضيرية لبحث الوضع الأمني والعسكري وحاجات الجيش وقوى الأمن الداخلي، تمهيداً لمسار دولي أوسع.
باريس: دعم الجيش أم إعادة رسم مرحلة ما بعد «اليونيفيل»؟
المغزى الأوسع لاجتماع باريس يكمن في توقيته.
فلبنان يدخل مرحلة تتقاطع فيها ثلاثة ملفات:
أولاً – مستقبل الدولة الأمنية:
مدى قدرة الجيش اللبناني على توسيع انتشاره والقيام بالمهام الموكلة إليه، ولا سيما في الجنوب.
ثانياً – مستقبل «اليونيفيل»:
مع اقتراب نهاية الولاية الحالية في نهاية عام 2026، يجري البحث دولياً في كيفية منع حصول فراغ أمني، وفي إمكان تمديد المهمة أو اعتماد ترتيبات دولية أخرى تواكب تعزيز قدرات الجيش. وتفيد تقارير حديثة بأن فرنسا ولبنان يدفعان باتجاه تمديد مهمة القوة الدولية، في ظل مواقف دولية وإسرائيلية متباينة حيال مستقبلها.
ثالثاً – تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية:
وهو ملف يرتبط مباشرة بمسار المفاوضات وبالوجود الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب، وبالقدرة اللبنانية على الانتشار وتثبيت الأمن بعد أي انسحاب أو إعادة انتشار.
وبذلك، لا يصبح دعم الجيش مجرد ملف مساعدات، بل جزءاً من معادلة أمنية وسياسية أوسع تتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية في الجنوب.
الولايات المتحدة والسعودية… والحضور الدولي
وتكتسب مشاركة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، إلى جانب دول عربية وأوروبية ودولية، أهمية خاصة في رسم طبيعة الدعم المقبل للمؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية.
وتشير المعلومات المنشورة إلى مشاركة دول عدة، بينها الولايات المتحدة وفرنسا والأردن وإيطاليا وهولندا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وتركيا وباكستان والسعودية والإمارات وقطر ومصر وكندا، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
هذا الحضور لا يعني بالضرورة توافقاً كاملاً بين جميع المشاركين حول كل الملفات اللبنانية، لكنه يعكس اهتماماً دولياً بمستقبل المؤسسة العسكرية وقدرتها على تولي مسؤوليات إضافية في المرحلة المقبلة.
والأهم أن البحث لا يبدو محصوراً بالسلاح والعتاد، بل يشمل التدريب والاتصالات والنقل واللوجستيات والموارد البشرية والانتشار، أي مقومات بناء قدرة مؤسساتية مستدامة.
عون: الدولة في مواجهة اختبار السيادة
في باريس، يضع الرئيس عون المشاركة اللبنانية في إطار دعم المؤسسات الدستورية والعسكرية والأمنية وتعزيز قدرة الدولة على حماية مواطنيها. وقد أكد لدى وصوله إلى العاصمة الفرنسية أهمية استمرار الدعم الفرنسي للبنان ومؤسساته، في وقت تتقاطع فيه الملفات الأمنية والسياسية والدبلوماسية.
وهنا يلتقي مسار باريس مع أحد أبرز عناوين النقاش الداخلي: هل يمكن بناء دولة قوية من دون مؤسسة عسكرية وأمنية قادرة فعلياً على تنفيذ قراراتها؟.
السؤال لا يتعلق بالجيش وحده، بل بالمنظومة السياسية والقانونية والاقتصادية التي يفترض أن تمنحه القدرة على القيام بمهامه.
فالدعم الخارجي، مهما اتسع، لا يمكن أن يحل مكان الدولة، كما أن الدولة لا تستطيع مطالبة مؤسساتها العسكرية والأمنية بمهام متزايدة من دون توفير الموارد والإمكانات اللازمة.
المفارقة اللبنانية: ثقة داخلية ودعم خارجي
بين بيروت وباريس، تبدو الصورة اللبنانية أمام مسارين متوازيين.
في الداخل، حكومة تحصل على 68 صوتاً بالثقة رغم استمرار الانقسام السياسي الحاد.
وفي الخارج، دولة تسعى إلى حشد دعم دولي لجيشها ومؤسساتها الأمنية، فيما يجري البحث في مستقبل الجنوب والوجود الدولي بعد «اليونيفيل».
لكن المسارين يطرحان السؤال نفسه بصيغتين مختلفتين:
هل تستطيع الدولة اللبنانية تحويل الغطاء السياسي الداخلي والدعم الدولي الخارجي إلى قدرة فعلية على إدارة البلاد؟.
فالثقة النيابية تمنح الحكومة مساحة سياسية للاستمرار، لكنها لا تعفيها من تقديم النتائج. والدعم الدولي للجيش يوفر إمكانات إضافية، لكنه لا يعفي السلطة السياسية من بناء توافق داخلي حول دور المؤسسات وحدود مسؤولياتها.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التصويت
جلسة المساءلة انتهت بالأرقام، لكن المساءلة السياسية لم تنتهِ.
فـ68 صوتاً بالثقة لا تحسم الخلافات حول مستقبل الدولة، كما أن اجتماع باريس لا يستطيع وحده معالجة الانقسامات الداخلية أو إنتاج تسوية لبنانية.
المساران، الداخلي والخارجي، يلتقيان عند نقطة واحدة: بناء قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ القرار وتنفيذه، وتأمين المؤسسات التي تحميه وتحوّله إلى واقع.
ومن هنا، فإن أهمية المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بمن ربح جولة التصويت في مجلس النواب، ولا بحجم المساعدات التي يمكن أن يحصل عليها الجيش، بل بقدرة السلطة اللبنانية على تحويل الثقة السياسية والدعم الدولي إلى مؤسسات أكثر فاعلية، وخدمات أفضل، واستقرار أمني، وسياسة سيادية قابلة للتنفيذ.
فالاختبار الحقيقي للحكومة بدأ بعد الثقة، والاختبار الحقيقي للدولة يبدأ عندما تتحول وعود الدعم في باريس إلى قدرة فعلية في بيروت والجنوب.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي



اترك تعليقًا