جرادي يستعيد مشهد جرحى البيجر: «كان يقول لأ… غيري أحق مني»
خاص – ميديا برس ليبانون _ بعد مرور فترة على تفجيرات أجهزة الاتصال «البيجر»، يستعيد النائب والطبيب الدكتور إلياس جرادي مشاهد من تلك المرحلة، متوقفًا بصورة خاصة عند الاستجابة الطبية في لبنان، وما وصفه بالمشهد الإنساني الاستثنائي الذي رافق معالجة أعداد كبيرة من المصابين في ظروف بالغة الصعوبة.
ويصف جرادي ما جرى داخل الجسم الطبي اللبناني بأنه كان استجابة «ملحمية»، مشيرًا إلى أن المستشفيات والطواقم الطبية عملت لساعات طويلة، وتضافرت جهودها بعيدًا عن الفوارق، في محاولة لاستيعاب حجم الإصابات والتعامل مع تداعيات حدث استثنائي.
وبحسب روايته، فإن حجم الصدمة التي أحدثتها التفجيرات ذكّره بمشاهد انفجار مرفأ بيروت، مع اختلاف الظروف التي أحاطت بالحدث، ولا سيما ما رافقه من تداعيات أمنية وحربية وتعقيدات لوجستية أثرت في عملية تأمين بعض المستلزمات الطبية.
أزمة القرنيات… معاناة إضافية للجرحى
ويتوقف جرادي عند النقص الذي واجهه القطاع الطبي في قرنيات العيون، مشيرًا إلى أن ظروف الحصار والتعقيدات المرتبطة بإيصال المساعدات والمستلزمات الطبية زادت من صعوبة معالجة بعض الإصابات.
ويرى جرادي أن هذه الظروف طرحت أسئلة حول سرعة الاستجابة الرسمية وآليات تأمين الاحتياجات الطبية للمصابين، معتبرًا أن معالجة تداعيات الإصابات الخطرة كانت تتطلب متابعة رسمية ومؤسساتية مكثفة. لكن المشهد الذي بقي، بحسب جرادي، الأكثر رسوخًا في ذاكرته لم يكن طبيًا فحسب، بل إنسانيًا أيضًا.
«غيري أحق مني»… الإيثار في قلب الألم
يستعيد جرادي مواقف لعدد من الجرحى، مشيرًا إلى أنهم لم يتعاملوا مع إصاباتهم بمنطق المطالبة بالأولوية، بل إن بعضهم، وفق روايته، كان يرفض الحصول على قرنية عندما تُتاح، قائلًا: «لأ، مش أنا… أعطيها لغيري، غيري أحق مني».
ويرى جرادي أن هذه المواقف تعكس مستوى استثنائيًا من الإيثار، معتبرًا أن بعض الجرحى، رغم ما كانوا يعانونه من آلام وإصابات، وضعوا احتياجات الآخرين قبل احتياجاتهم الشخصية.
ومن هنا جاءت عبارته اللافتة: «هيدا مش بشر، هودي أصناف الملائكة»، في توصيف أراد من خلاله التعبير عن إعجابه بما رآه من صبر وتضحية وإيثار لدى المصابين.
جرادي: الدولة مطالبة بحماية حقوق اللبنانيين
وعلى المستوى السياسي، ينتقل جرادي من توصيف التجربة الطبية والإنسانية إلى تقييم أداء الدولة، معتبرًا أن المرحلة فرضت مسؤوليات كبيرة على المؤسسات الرسمية في حماية المواطنين وتأمين حقوقهم.
وينتقد جرادي ما يصفه بضعف الدور الرسمي، داعيًا إلى أن تكون أي مفاوضات أو تفاهمات مرتبطة بمصالح لبنان قائمة على حماية الحقوق الوطنية، وليس على افتراض العجز أو التسليم بالأمر الواقع.
كما يطرح تحفظات على بعض ما يسميه «الشروط والاتفاقات الإطارية»، معتبرًا أن الواقعية السياسية لا ينبغي، من وجهة نظره، أن تتحول إلى مدخل للتنازل عن الحقوق أو الانتقاص من السيادة.
من مأساة الجرحى إلى سؤال الدولة
في قراءة جرادي، لا تنحصر قصة جرحى تفجيرات «البيجر» في حجم الإصابات أو القدرة الطبية على التعامل معها، بل تتصل أيضًا بصورة المجتمع اللبناني عندما يواجه أزمة كبرى.
فبينما كانت المؤسسات الصحية أمام اختبار استثنائي، برز، بحسب شهادته، سلوك إنساني لدى عدد من المصابين يقوم على التضامن والإيثار، وهو ما يعتبره جرادي أحد أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من تلك المرحلة.
وفي المقابل، يضع جرادي أداء المؤسسات الرسمية أمام سؤال أوسع حول قدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين احتياجاتهم في الأزمات، معربًا عن اعتقاده بأن المرحلة المقبلة قد تشهد، وفق رؤيته، تراجعًا في «منطق التوحش» لصالح استعادة الاعتبارات الإنسانية.
وبذلك، تتحول شهادة جرادي من استعادة لحدث طبي وأمني بالغ القسوة إلى قراءة تتقاطع فيها الطبابة والإنسانية ومسؤولية الدولة والسيادة، فيما تبقى مواقف الجرحى التي يرويها واحدة من أكثر الصور دلالة على قدرة الإنسان على ممارسة الإيثار حتى في قلب المأساة.
ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي

المواقف والتوصيفات السياسية الواردة في هذا النص منسوبة إلى النائب الدكتور إلياس جرادي، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف الموقع.


اترك تعليقًا