من الصين إلى العالم العربي… هل يتحول «الفطر» إلى استثمار في الأمن الغذائي؟
دوليات _ ميديا برس ليبانون _ في وقت تتسع فيه تحديات الأمن الغذائي في العالم العربي بفعل شحّ المياه، وتراجع الموارد الزراعية، وارتفاع كلفة الإنتاج، برزت من الصين مقاربة اقتصادية تضع زراعة الفطر أمام اختبار مختلف: هل يمكن لهذا القطاع أن يتحول من نشاط زراعي محدود إلى صناعة متكاملة تجمع التكنولوجيا والاستثمار وإعادة تدوير المخلفات وخلق فرص العمل؟.
هذا السؤال حمله رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية وائل خليل ياسين إلى فعاليات معرض ومؤتمر «أيام الفطر الدولية في الصين» في مدينة شيامن، حيث شارك إلى جانب خبراء ومستثمرين وممثلين عن الصناعات الزراعية والغذائية، وطرح تصوراً لتعاون عربي–صيني يتجاوز نموذج التبادل التجاري التقليدي نحو شراكات إنتاجية واستثمارية.
من التكنولوجيا الصينية إلى الأسواق العربية
ياسين انطلق في طرحه من معادلة تقوم على تكامل نقاط القوة: الصين، وفق مقاربته، تمتلك خبرات وتقنيات متقدمة في إنتاج الفطر وتطوير أساليب الزراعة الذكية، فيما يمتلك العالم العربي أسواقاً واسعة وموقعاً جغرافياً مهماً وحاجة متزايدة إلى حلول عملية في مجال الأمن الغذائي.
وهنا تبرز المسألة الأهم: نجاح هذا النموذج لا يرتبط بمجرد نقل تقنية زراعية من دولة إلى أخرى، بل بقدرة المستثمرين على بناء سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من المواد الأولية والمخلفات الزراعية، مروراً بالإنتاج والتصنيع، وصولاً إلى التسويق والتصدير.
وبحسب الرؤية التي عرضها ياسين، فإن هذا التكامل يمكن أن يمنح الشركات الصينية منفذاً إلى أسواق عربية جديدة، في مقابل إمكانية توطين صناعة غذائية حديثة داخل الدول العربية، بما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل محلية.
الفطر في مواجهة معادلة الماء والمناخ
المحور الأول في الطرح يرتبط بالأمن الغذائي والمناخ. فزراعة الفطر، بحسب ياسين، لا تتطلب مساحات زراعية واسعة أو كميات كبيرة من المياه مقارنة بأنماط زراعية تقليدية، ما يجعلها، من وجهة نظره، أحد الخيارات التي يمكن بحثها في مناطق تعاني الجفاف وشح الموارد المائية.
لكن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في كمية الإنتاج، بل في إعادة التفكير بنمط الزراعة نفسه: ماذا لو انتقلت بعض الاستثمارات الغذائية من الاعتماد الكامل على الأرض والمياه إلى إنتاج يمكن التحكم ببيئته داخل منشآت متخصصة؟
إنها معادلة تستحق الدراسة، خصوصاً في الدول العربية التي تواجه ضغوطاً متزايدة على مواردها الطبيعية.
من قش القمح إلى قيمة اقتصادية
المحور الثاني الذي طرحه ياسين يرتبط بمفهوم الاقتصاد الدائري.
فالمخلفات الزراعية، ومنها قش القمح، يمكن أن تدخل في بعض نظم إنتاج الفطر كمواد أولية، ما يفتح الباب أمام تحويل جزء من النفايات الزراعية من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي.
وهنا تنتقل القضية من «زراعة الفطر» إلى نموذج أوسع يقوم على إعادة تدوير الموارد داخل الدورة الاقتصادية: مخلفات من قطاع زراعي يمكن أن تتحول إلى مدخلات لقطاع غذائي، ومن ثم إلى منتج قابل للتسويق، بما يقلل الهدر ويضيف قيمة إلى سلسلة الإنتاج.
وهذا النموذج، إذا جرى تطبيقه وفق دراسات فنية وبيئية واقتصادية دقيقة، يمكن أن يربط بين الزراعة والصناعة وإدارة النفايات في مشروع واحد.
التنمية الريفية… والرهان على المشاريع الصغيرة
أما المحور الثالث، فيتعلق بالتنمية الريفية.
ويرى ياسين أن نقل الخبرات والتكنولوجيا الصينية إلى المنطقة يمكن أن يساهم في إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة في الأرياف، بما يتيح فرص عمل جديدة، ولا سيما أمام الشباب والنساء.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأكثر حساسية في أي مشروع من هذا النوع: هل تستطيع التكنولوجيا أن تتحول فعلاً إلى مشاريع محلية قابلة للاستمرار، أم تبقى مجرد استثمارات مستوردة تعتمد على الخبرات الخارجية؟
الإجابة تتطلب تدريباً محلياً، ونقل معرفة حقيقياً، وتمويلاً مناسباً، وربط الإنتاج بالأسواق، إضافة إلى بناء منظومة رقابة ومعايير جودة تضمن سلامة المنتج وقدرته على المنافسة.
«الحزام والطريق»… من التجارة إلى الإنتاج؟
في ختام مداخلته، دعا ياسين الشركات والمؤسسات الصينية إلى التعاون مع مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية لإعداد خريطة طريق مشتركة لإطلاق مشاريع تجريبية في عدد من الدول العربية، مستفيدين من الفرص التي تتيحها مبادرة «الحزام والطريق».
وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر اتساعاً: هل يمكن أن تتحول العلاقات العربية–الصينية من حركة بضائع واستثمارات إلى شراكات إنتاجية تنقل التكنولوجيا وتوطّن المعرفة وتخلق سلاسل قيمة داخل الدول العربية؟.
المشاريع التجريبية، إذا انتقلت من مرحلة الأفكار إلى دراسات جدوى وتنفيذ فعلي، ستكون الاختبار الحقيقي لهذه الرؤية؛ إذ إن نجاح أي تجربة لن يُقاس بحجم الاستثمارات المعلنة فقط، بل بقدرتها على إنتاج غذاء، وخلق وظائف، وتقليل الهدر، وتحقيق عائد اقتصادي مستدام.
الفطر ليس القضية… بل النموذج
ما طُرح في شيامن لا يتعلق بالفطر وحده. فخلف هذا المنتج قطاع كامل يمكن أن يلتقي فيه الأمن الغذائي مع التكنولوجيا، والزراعة مع الصناعة، والمخلفات مع الاقتصاد الدائري، والاستثمار مع التنمية الريفية.
لكن الانتقال من الرؤية إلى الواقع يحتاج إلى أكثر من المؤتمرات والشراكات المعلنة: يحتاج إلى خرائط استثمار واضحة، ودراسات جدوى مستقلة، وتقييم للموارد المائية والطاقة، ونقل فعلي للتكنولوجيا، وتدريب للكوادر المحلية، وضمانات للأسواق وسلاسل التوريد.
وبذلك يصبح التحدي الحقيقي أمام المبادرة العربية–الصينية ليس اكتشاف إمكانات الفطر، بل اختبار قدرة هذه الإمكانات على بناء صناعة عربية منتجة ومستدامة، تبدأ من القرية ولا تنتهي عند حدود السوق المحلية.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الدولي




اترك تعليقًا