البقاع يفتح دفاتر التاريخ ويسأل الدولة عن مستقبله


90 بحثًا في مؤتمر دولي بأزهر البقاع.. من ذاكرة المكان إلى معركة الإنماء المتوازن


محليات – ميديا برس ليبانون _ لم يكن المؤتمر العلمي الدولي الأول «البقاع في التاريخ… الإنسان، المكان، الذاكرة» مجرد مناسبة أكاديمية لاستعادة صفحات من الماضي، بل بدا كأنه منصة لطرح سؤال أكثر راهنية: ماذا فعلت الدولة بالبقاع، وماذا يمكن أن يفعل البقاع في مستقبل الدولة؟.

في أزهر البقاع، اجتمع أكاديميون وباحثون ومرجعيات دينية وشخصيات رسمية وسياسية وبلدية وثقافية وإعلامية، برعاية رئيس الجامعة اللبنانية البروفسور بسام بدران، وتنظيم قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الرابع، وبالتعاون مع عدد من المؤسسات البحثية والأكاديمية.

لكن خلف العنوان التاريخي للمؤتمر، برزت قضية الحاضر بقوة: البقاع الذي كان ممرًا للحضارات وملتقى للشعوب، ما زال يواجه أزمات المياه والزراعة والبيئة والطرق والبنى التحتية والإنماء.

90 ورقة بحثية.. والبقاع تحت المجهر

المؤتمر يجمع باحثين من لبنان وعدد من الدول العربية، ويضم 90 ورقة بحثية موزعة على 15 جلسة خلال يومين، تتناول تاريخ البقاع منذ العصور القديمة والوسيطة وصولًا إلى العصرين الحديث والمعاصر.

وبينما تتولى الأوراق العلمية تفكيك تاريخ المنطقة وتحولاتها، فإن الحضور السياسي والإنمائي في الكلمات الافتتاحية أعاد وضع البقاع أمام سؤال يتجاوز الأرشيف: هل يمكن قراءة تاريخ منطقة بهذا الحجم من دون التوقف عند واقعها الراهن؟

الغزاوي يرفع سقف السؤال: أين الإنماء المتوازن؟

الموقف الأكثر اتصالًا بهذا السؤال جاء من مفتي زحلة والبقاع الدكتور الشيخ علي الغزاوي، الذي أكد أن البقاع ليس هامشًا في الدولة، بل جزء أساسي من تكوين الوطن.
ووضع الغزاوي ملف الإنماء في صلب النقاش، واصفًا البقاع بأنه «رئة لبنان»، ومشيرًا إلى الضغوط التي تواجهها المنطقة في المياه والزراعة والبيئة والطرق والبنى التحتية.
ودعا إلى معالجة هذه الملفات معالجة جذرية، رابطًا الإنماء المتوازن بالدستور واتفاق الطائف، ومؤكدًا أن وحدة الوطن تفرض عدم التعامل مع مناطقه بمنطق التجزئة.
وبذلك، تحولت كلمة الغزاوي عمليًا من توصيف تاريخي للبقاع إلى رسالة إنمائية واضحة: التاريخ لا يكفي إذا بقيت المنطقة تواجه أزمات الحاضر.

مراد: البقاع ليس هامشًا في خريطة المشرق

أما النائب حسن مراد، فرأى أن البقاع «صفحة مفتوحة من تاريخ المشرق العربي»، وممر للحضارات والتقاء الشعوب، معتبرًا أن المؤتمر يشكل مساحة علمية لربط الماضي بالحاضر واستشراف مستقبل لبنان على قاعدة الشراكة والعلم والثقافة والإنماء المتوازن.

وهنا تتقاطع المقاربة الأكاديمية مع المقاربة الإنمائية: إذا كان البقاع قد شكّل تاريخيًا ممرًا للحضارات، فهل يمتلك اليوم المؤسسات والبنى التي تسمح له بأن يكون ممرًا للتنمية؟.

الجامعة اللبنانية تدخل على خط البقاع

وفي محطة لافتة، أعلن رئيس الجامعة اللبنانية البروفسور بسام بدران أن العمل جارٍ «قريبًا جدًا» لوضع حجر الأساس لمبنى للجامعة اللبنانية في زحلة.
وأكد أن الجامعة لا تؤدي دورًا تعليميًا فقط، بل تضطلع أيضًا بمهمة حفظ الذاكرة الوطنية وإنتاج المعرفة.
أما رئيس المؤتمر البروفسور أحمد رباح، فاختصر أهمية المكان بقوله إن البقاع «ليس مساحة أو جغرافيا، بل هو تاريخ لبنان».
في المقابل، أشار مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات والوزير السابق الدكتور ناصر ياسين إلى أن الغياب الإنمائي عن البقاع غير مبرر.

من ذاكرة المكان إلى مستقبل المنطقة

اليوم الأول انتهى بتوزيع الدروع، فيما تستكمل جلسات المؤتمر أعمالها اليوم الأحد.
لكن السؤال الذي يبقى خارج قاعات المؤتمر أكبر من عدد الأوراق البحثية والجلسات: هل تتحول هذه المناسبة إلى مشروع دائم لحفظ تاريخ البقاع ودراسة تحوّلاته، أم تبقى محطة أكاديمية تنتهي بانتهاء جلساتها؟.

فالمنطقة التي تختزن تاريخًا يمتد عبر عصور وحضارات، تحتاج أيضًا إلى قراءة علمية دقيقة لحاضرها، وإلى ربط الذاكرة بالتنمية، والتاريخ بالسياسات العامة، والجامعة بالمجتمع. البقاع لا يطلب أن يُقرأ تاريخه فقط؛ بل أن يُقرأ حاضره أيضًا.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم التربوي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا