أربع سنوات في دوامة المعادلات: أين تبدأ مسؤولية التعليم العالي؟
قضية مواطن ينتظر إنجاز معاملة شهادة ابنته تفتح أسئلة عن الإجراءات والمهل وحدود الصلاحيات في المديرية العامة للتعليم العالي
محليات – ميديا برس ليبانون _ أعادت قضية أثارها النائب الدكتور بلال الحشيمي إلى الواجهة ملفًا يتجاوز معاملة فردية، بعدما تحدّث عن مواطن يقول إنه أمضى نحو أربع سنوات في متابعة معاملة مرتبطة بشهادة ابنته، متنقلًا بين المراجعات والمستندات المطلوبة من دون الوصول إلى نتيجة نهائية.
الحشيمي اعتبر أن القضية تستحق التوقف عندها، ليس فقط بسبب طول المدة، وإنما بسبب طبيعة الإجراءات التي قيل إن المواطن طُلب منه استكمالها، متسائلًا عن الأساس القانوني والإداري لإخضاع المعاملة لهذا المسار، وعن المسؤولية الإدارية في حال ثبت وجود تأخير أو طلب مستندات لا تفرضها الأصول.
وبحسب رواية الحشيمي، بدأت المعاناة منذ سنوات مع مراجعات متكررة للمديرية العامة للتعليم العالي، تخللتها طلبات مستندات إضافية وإبلاغ المواطن في إحدى المراحل بأن معاملته أنجزت، قبل أن يُطلب منه لاحقًا استكمال إجراءات أخرى، من بينها تصديق أوراق وإحضار حركة تنقلات من الأمن العام.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل كانت هذه المتطلبات مرتبطة بطبيعة الشهادة والملف فعلًا، أم أن المواطن دخل في مسار إداري أطول مما تقتضيه معاملته؟
ماذا تقول وزارة التربية؟
تظهر الخدمات المنشورة رسميًا على موقع وزارة التربية والتعليم العالي أن لجنة المعادلات للتعليم العالي تتولى البت بطلبات المعادلات المتعلقة بالشهادات الجامعية الصادرة من داخل لبنان وخارجه، كما تحدد الوزارة مستندات وإجراءات خاصة بالشهادات الصادرة عن الجامعات والمعاهد الجامعية اللبنانية.
كما تشير الوزارة إلى أن لجنة المعادلات تنظم أعمالها وفق المرسوم رقم 8869 والقرار 5/97، وأنها تجتمع أسبوعيًا للبت في الطلبات، فيما يرأس اللجنة مدير عام التعليم العالي.
وفي ما يتعلق بالشهادات اللبنانية، تذكر الوزارة ضمن المستندات المطلوبة، بحسب نوع الشهادة، نسخًا مصدقة عن الشهادة وكشوف العلامات من الجامعة ومن أمانة سر مجلس التعليم العالي.
أما الموقع الرسمي للوزارة فيعرّف المعادلة بأنها المستند الذي يحدد قيمة الدراسة التي تمت ضمن نظام تعليمي في لبنان أو الخارج مغاير للنظام الرسمي اللبناني، فيما تضع الوزارة مسارات منفصلة للخدمات المرتبطة بالشهادات الجامعية اللبنانية والأجنبية.
هذه المعطيات تجعل القضية أكثر دقة من مجرد القول إن «الشهادة اللبنانية لا تحتاج إلى معادلة»، إذ إن التفاصيل القانونية والإجرائية تختلف بحسب نوع الشهادة والاختصاص والغرض من المعاملة.
أربع سنوات… والسؤال عن المهلة
إذا صحت الوقائع التي عرضها النائب الحشيمي بشأن استمرار المعاملة لمدة أربع سنوات، فإن السؤال الإداري لا يعود محصورًا في سبب طلب هذا المستند أو ذاك، بل يصبح مرتبطًا أيضًا بمدة إنجاز المعاملة وآلية متابعة الملف.
فالوزارة تشير في خدماتها المنشورة إلى مدة زمنية محددة لإصدار إفادة المعادلة بعد استلام الطلب مستوفيًا المستندات المطلوبة، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا حول كيفية تفسير الفارق بين المهل الإدارية المعلنة وبين ملف يقول صاحبه إنه بقي عالقًا سنوات.
وهنا تبرز مسؤولية الإدارة في توضيح المسار: هل كان الملف ناقصًا؟ وهل أُبلغ صاحب العلاقة بالنواقص بصورة رسمية وفي حينها؟ وهل كانت هناك إشكالية قانونية أو أكاديمية استوجبت إبقاء المعاملة قيد الدرس؟ أم أن تعدد المراجعات والطلبات أدى إلى إطالة غير مبررة؟
مازن الخطيب أمام سؤال إداري
وبما أن الموقع الرسمي لوزارة التربية يحدد الدكتور مازن الخطيب مديرًا عامًا للتعليم العالي بالتكليف، فإن الحشيمي وجّه إليه المسؤولية الإدارية وطالبه بتوضيحات حول الأساس القانوني للإجراءات التي يقول إنها اتُّخذت في هذه القضية.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، إثبات مسؤولية شخصية عن التأخير قبل صدور توضيح رسمي أو ثبوت الوقائع والملابسات. لكن موقع المدير العام في الهرمية الإدارية يجعل من حق المواطن والرأي العام معرفة كيفية تطبيق الإجراءات، ومن حق الإدارة أيضًا تقديم روايتها وتوضيح أسباب أي تأخير أو طلب إضافي.
والسؤال هنا ليس شخصيًا بقدر ما هو مؤسساتي: ما هي القاعدة التي تحدد المستندات المطلوبة؟ ومن يقرر الانتقال من إجراء إلى آخر؟ وما هي الآلية التي تتيح للمواطن الاعتراض أو الاستفسار عندما يرى أن معاملته تجاوزت المهل أو الإجراءات المعتادة؟.
بين القانون والممارسة… أين تكمن المشكلة؟
القضية، إذا صحت تفاصيلها، تطرح إشكالية أوسع في العلاقة بين المواطن والإدارة.
فالقوانين والأنظمة لا تكتسب قيمتها من وجودها على الورق فقط، بل من طريقة تطبيقها بصورة واضحة وموحدة على جميع أصحاب المعاملات.
كما أن أي مستند إضافي يُطلب من المواطن يفترض أن تكون له صلة مباشرة بالمعاملة، وأن يكون له أساس في الأنظمة والتعليمات النافذة، خصوصًا عندما يؤدي طلبه إلى مراجعة مؤسسة أمنية أو رسمية أخرى.
ومن هنا، فإن طلب حركة تنقلات من الأمن العام – إذا ثبت أنه طُلب في هذه الحالة – يحتاج إلى توضيح رسمي حول سببه والأساس الذي استند إليه، لا سيما إذا كانت الشهادة صادرة عن مؤسسة تعليم عالٍ لبنانية.
القضية أكبر من ملف واحد
الأهم في هذه القضية أنها قد تشكل فرصة لإعادة النظر في تجربة المواطنين مع معاملات التعليم العالي، ولا سيما إذا كانت الشكاوى من التأخير وتعدد المراجعات لا تقتصر على حالة واحدة.
فالوزارة نفسها انتقلت إلى خدمات إلكترونية تشمل معادلة شهادات التعليم الجامعي، ما يفتح المجال أمام تقليص الاحتكاك المباشر، وتوثيق مراحل المعاملة، ومعرفة المستندات المطلوبة وحالة الملف بصورة أوضح.
ومن شأن نظام إلكتروني واضح أن يجيب عن أسئلة بسيطة لكنها أساسية: متى قدم المواطن معاملته؟ ما المستندات التي استُلمت؟ ما المستند الناقص؟ من هي الجهة التي تدرس الملف؟ وما سبب التأخير إذا تجاوزت المعاملة المهلة المحددة؟.
هذه التفاصيل قد تبدو إدارية، لكنها بالنسبة إلى طالب ينتظر شهادة أو خريج يحتاج إلى مستند لمتابعة عمله أو دراسته، تعني سنوات من حياته ومستقبله.
المطلوب… جواب لا سجال
في نهاية المطاف، القضية التي أثارها الحشيمي تحتاج إلى جواب إداري وقانوني واضح أكثر مما تحتاج إلى سجال سياسي.
إذا كانت المعاملة قد تأخرت لأسباب قانونية أو أكاديمية، فليُشرح السبب لصاحب العلاقة، وإذا كانت هناك مستندات إلزامية، فليُحدد سندها بوضوح. أما إذا ثبت وجود خلل أو تأخير إداري غير مبرر، فالمطلوب تحديد المسؤولية ومعالجة الخلل منعًا لتكراره.
فالجامعة تمنح الشهادة، والدولة تضع الأطر القانونية للاعتراف بها ومعادلتها وتصديقها، والإدارة يفترض أن تكون الجسر الذي يسهّل على المواطن إنجاز معاملته، لا أن تتحول الإجراءات إلى متاهة مفتوحة.
ومن هنا يبقى السؤال الذي طرحه الحشيمي مشروعًا للنقاش الإداري والقانوني: كيف يمكن أن تستمر معاملة مرتبطة بشهادة جامعية لسنوات، بينما يفترض أن تكون إجراءات التعليم العالي واضحة ومحددة المهل؟ ومن يشرح للمواطن أين توقفت معاملته، ولماذا، وعلى أي أساس؟.
هذه ليست فقط قضية شهادة انتظرتها عائلة أربع سنوات، بل اختبار لمدى وضوح الإدارة، وقابليتها للمساءلة، وقدرتها على تطبيق القانون بصورة شفافة ومتساوية على الجميع.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم التربوي
المقال المنشور يعكس المعطيات والمواقف الواردة في المادة الصحافية، ولا يعكس بالضرورة موقف الموقع.



اترك تعليقًا