دار الفتوى أمام «الدستوري»: هل يحسم الصندوق مسار الإفتاء؟
✍️ عبداللطيف الزعني
«القلم الحرّ»
آراء _ ميديا برس ليبانون _ مع ترقّب القرار المنتظر للمجلس الدستوري بشأن الطعن المرفوع أمامه، يدخل ملف دار الفتوى في لبنان مرحلة دقيقة، تتطلب مقاربة هادئة تضع المؤسسة ومقامها فوق أي خلاف أو اجتهاد سياسي.
فدار الفتوى ليست مؤسسة عادية، بل مرجعية دينية ووطنية جامعة، تضم في صفوفها علماء ومفتين وقضاة وأصحاب اختصاص وكفاءات علمية، يفترض أن تكون قادرة على معالجة شؤونها الداخلية بروح المسؤولية والحكمة، وبما يحفظ وحدتها ومكانتها.
القانون يبقى المرجع
بعيدًا عن أي سجال حول الأشخاص، فإن أي خلاف يتعلق بآليات التمديد أو الانتخاب أو ممارسة الصلاحيات يفترض أن يُحسم ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، باعتبار أن القانون هو المرجع الذي يحتكم إليه الجميع.
ومن هنا، فإن قرار المجلس الدستوري، أيًا كان مضمونه، ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من المسار المؤسساتي الطبيعي، لا محطة جديدة للخلاف.
أما ما يُتداول أحيانًا عن نصائح أو تدخلات من مرجعيات دينية خارج لبنان، فلا بد من التعامل معه بحذر، خصوصًا في ظل غياب وضوح دائم حول دقة بعض المعلومات المتداولة.
ويبقى المبدأ الأساس أن دار الفتوى في لبنان، بما تمثله من خصوصية دينية ووطنية، قادرة على معالجة شؤونها ضمن مؤسساتها وأطرها القانونية، مع كامل الاحترام للمرجعيات الدينية العربية والإسلامية ودورها.
دار الفتوى أكبر من أي استحقاق
المسألة في جوهرها لا ينبغي أن تتحول إلى منافسة بين أشخاص أو إلى اصطفاف سياسي حول موقع ديني.
فمقام مفتي الجمهورية يتجاوز الشخص الذي يتولاه، كما أن دار الفتوى تبقى مؤسسة مستمرة لا ترتبط بمرحلة أو شخصية بعينها.
ومن هنا، فإن الحفاظ على هيبة الموقع ووحدة المؤسسة يتطلب اعتماد آلية واضحة وشفافة تحظى بالقبول، وتضع المصلحة العامة فوق الحسابات الخاصة.
هل يكون الصندوق مخرجًا؟
يبقى السؤال المطروح: إذا كان القانون يحدد آلية انتخابية واضحة، فلماذا لا تُترك الكلمة للهيئة الناخبة؟
فتح باب الترشح أمام من تتوافر فيهم الشروط القانونية، وتأمين تكافؤ الفرص، وإجراء الانتخابات وفق الأصول، يمكن أن يشكل مسارًا مؤسساتيًا واضحًا يضع حدًا للكثير من التأويلات.
فالانتخاب، حين يجري وفق القانون وبشفافية، لا يعني بالضرورة انقسام المؤسسة، بل يمكن أن يكون وسيلة لتجديد الثقة بها.
والأهم أن من تفرزه الهيئة الناخبة يصبح، بعد انتخابه، مفتيًا للجميع، وليس فقط لمن منحوه أصواتهم.
لا تمديد مفتوح ولا حسم خارج الأطر القانونية
في المقابل، فإن أي تمديد ينبغي أن يبقى مرتبطًا بالنصوص والأصول القانونية، وألا يتحول إلى قاعدة دائمة تؤجل الاستحقاق بدل معالجة أسبابه.
كما أن التعيين، حيثما ينظمه القانون، لا يفترض أن يتحول إلى بديل دائم عن أي آلية انتخابية يقرها النظام المعتمد.
المطلوب في النهاية ليس الانتصار لخيار على آخر، بل الوصول إلى صيغة واضحة تحمي المؤسسة وتمنحها الاستقرار وتضع حدًا للاجتهادات المتضاربة.
بعد قرار «الدستوري»… ماذا بعد؟
بعد صدور قرار المجلس الدستوري، يفترض أن تكون الأولوية لطي صفحة الخلاف والانتقال إلى مسار مؤسساتي واضح، سواء قاد القرار إلى انتخابات أو إلى استكمال المسار وفق ما تفرضه القوانين والأنظمة المرعية.
قانون، ترشّح، منافسة، صندوق، ونتيجة تُحترم.
بهذه المعادلة يمكن أن تتحول الأزمة من مصدر للتجاذب إلى فرصة لترسيخ العمل المؤسساتي.
فدار الفتوى أكبر من أن تكون ساحة خلاف، وأكبر من أن تختزل في أسماء أو مواقف عابرة.
هي مرجعية دينية ووطنية، ومقام مفتي الجمهورية مسؤولية تتجاوز الأشخاص والمرحلة.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يفوز؟.
بل: كيف تنتصر المؤسسة؟.
فعندما يكون القانون هو المرجع، وتكون الهيئة الناخبة صاحبة القرار، وتُحترم النتيجة، يصبح الفائز الحقيقي هو دار الفتوى واستقرارها ووحدتها ومكانتها.
المقال يعكس وجهة نظر كاتبه، ولا يعكس بالضرورة موقف «ميديا برس ليبانون»



اترك تعليقًا