من كروم كفرمشكي إلى الأسواق: هل يتحول العنب إلى اقتصاد زراعي متكامل؟

لقاء زراعي في سهل مرج كفرمشكي يضع كلفة الإنتاج والتسويق والتصنيع والتصدير أمام الدولة… والمجمّع الزراعي المقترح في صلب النقاش

راشيّا _ محليات – خاص ميديا برس ليبانون _ في سهل مرج كفرمشكي، حيث تختصر كروم العنب علاقة أبناء المنطقة بأرضهم ومواسمهم، لم يكن اللقاء الزراعي الذي عُقد في مزرعة «سيقلي فارم» مجرّد مناسبة للحديث عن موسم العنب، بل شكّل مساحة لطرح أسئلة أوسع تتصل بمستقبل الزراعة في راشيا والبقاع الغربي: كيف يمكن حماية الإنتاج المحلي في ظل ارتفاع كلفة اليد العاملة والمحروقات والكهرباء والمستلزمات الزراعية؟ وكيف ينتقل المزارع من بيع محصوله عند باب الحقل إلى إنتاج قابل للتصنيع والتوضيب والتسويق والتصدير؟.

اللقاء، الذي جمع وزير الزراعة الدكتور نزار هاني ووزيرة السياحة لورا لحود والنائب وائل أبو فاعور، إلى جانب وزير السياحة والآثار الأردني الدكتور عماد الحجازين والسفير الأردني وليد الحديد وعدد من المسؤولين الزراعيين والخبراء والمزارعين والفعاليات الاقتصادية والبلدية، أعاد وضع العنب اللبناني أمام معادلة تتجاوز الإنتاج نفسه: الأرض تنتج، لكن هل السوق قادرة على استيعاب الإنتاج وتحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة؟.

كفرمشكي… العنب ليس مجرد محصول

صاحب «سيقلي فارم» كمال السيقلي، عضو اللجنة الوطنية لمزارعي العنب في لبنان، عرض واقع زراعة العنب في كفرمشكي وراشيا، مشيرًا إلى أن هذه الزراعة لا تنتهي عند قطاف العناقيد، بل تشكل قاعدة لسلسلة واسعة من المنتجات والصناعات، من العرق والنبيذ إلى الدبس والزبيب ودبس العنب والحوصرم، فضلًا عن ارتباطها بزراعة الزيتون وإنتاج زيت الزيتون في المنطقة. لكن المشكلة، كما عُرضت خلال اللقاء، تبدأ عندما يصل المزارع إلى مرحلة التسويق.

فارتفاع أسعار اليد العاملة والمحروقات والطاقة والمستلزمات الزراعية يضغط على كلفة الإنتاج، فيما يبقى المزارع أمام تحدي تصريف محصوله في الوقت المناسب. والعنب، كغيره من المنتجات الزراعية الطازجة، لا يحتمل انتظارًا طويلًا، ما يجعل ضعف القدرة على التخزين والتوضيب والتسويق خطرًا مباشرًا على الموسم ودخل المزارع.

ومن هنا برزت فكرة أساسية في النقاش: لا يكفي أن نطلب من المزارع أن ينتج أكثر، إذا لم نؤمّن له السوق التي تستوعب إنتاجه.

من الكرمة إلى السوق… الحلقة المفقودة

المشكلة الزراعية لا تتوقف عند الحقل. فالمسار الحقيقي يبدأ من الشتلة والكرمة، ثم العناية والقطاف، قبل أن ينتقل إلى الفرز والتوضيب والتبريد والنقل والتسويق، وصولًا إلى التصنيع أو التصدير.

أي خلل في هذه السلسلة ينعكس على المزارع.

ولهذا كان النقاش في كفرمشكي لافتًا في انتقاله من مفهوم «دعم الزراعة» بمعناه التقليدي إلى البحث في سلسلة القيمة الزراعية كاملة.

فالمزارع يحتاج إلى مستلزمات إنتاج بأسعار مقبولة، لكنه يحتاج أيضًا إلى مركز يستطيع استقبال محصوله وفرزه وتوضيبه وحفظه وتسويقه، وإلى قنوات تصدير وأسواق جديدة، وإلى قدرة على تحويل جزء من الإنتاج إلى منتجات مصنّعة ذات قيمة مضافة.

وهنا تحديدًا طرحت فكرة إنشاء مجمّع أو مركز زراعي متكامل في كفرمشكي يخدم راشيا والبقاع الغربي، ليكون حلقة وصل بين المزارع والسوق.

المجمّع الزراعي… من الفكرة إلى المشروع؟

الفكرة المطروحة لا تقوم فقط على إنشاء مبنى أو مستودع، بل على تطوير بنية تحتية زراعية يمكن أن تضم عمليات الفرز والتوضيب والتبريد والتخزين والتصنيع والتسويق، بما يخفف الأعباء عن المزارعين ويرفع مستوى جودة المنتج وقدرته على المنافسة.

مثل هذا المشروع، إذا جرى تحويله إلى دراسة جدوى عملية وتمويله وإدارته بطريقة مهنية، يمكن أن يفتح الباب أمام تعاون بين وزارة الزراعة والبلديات والقطاع الخاص والتعاونيات والجمعيات الزراعية والمزارعين.

كما يمكن أن يشكل منصة لتجميع الإنتاج بدل أن يبقى كل مزارع منفردًا في مواجهة السوق.

وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى صغار المزارعين والشباب الذين يجدون أنفسهم أمام خيار صعب: الاستمرار في الزراعة في ظل ارتفاع التكاليف، أو ترك الأرض والبحث عن مصدر دخل آخر.

هاني: الانتقال من الإنتاج إلى القيمة المضافة

وزير الزراعة الدكتور نزار هاني شدد خلال اللقاء على ضرورة تطوير القطاع الزراعي والانتقال من إنتاج المادة الأولية إلى تصنيعها وإضافة القيمة إليها.

وفي حالة العنب، تبدو المعادلة واضحة: المحصول يمكن أن يغذي أكثر من قطاع، من الصناعات الغذائية إلى المشروبات والمنتجات التقليدية، ما يعني أن دعم العنب لا ينبغي أن ينحصر في الموسم الزراعي، بل يجب أن يشمل الفرز والتوضيب والتصنيع والتسويق والتصدير.

وأشار هاني إلى العمل على فتح أسواق خارجية جديدة وتعزيز التعاون العربي، مؤكدًا دعم فكرة إنشاء المجمع الزراعي المقترح، بما يساعد على رفع جودة الإنتاج وتعزيز قدرته التنافسية.

وهنا تتحول المسألة من «تصريف موسم» إلى محاولة بناء اقتصاد زراعي محلي متكامل.

السوق الخارجية… الفرصة والتحدي

لبنان يمتلك قدرة تصديرية في المنتجات الزراعية، لكن الوصول إلى الأسواق الخارجية لا يعتمد على جودة المنتج وحدها.

فالمنافسة تبدأ من السعر، مرورًا بالتوضيب والمواصفات والفرز والتبريد والنقل، وصولًا إلى انتظام الكميات وقدرة المنتج اللبناني على الالتزام بمتطلبات الأسواق.

وتكشف حركة صادرات العنب الطازج في السنوات الأخيرة عن وجود سوق خارجية للمنتج اللبناني، إلا أن المطلوب هو تحويل التصدير من فرص موسمية إلى سياسة أكثر استقرارًا، مع تنويع الأسواق وعدم حصرها بوجهة واحدة.

ومن هنا تكتسب المشاركة الأردنية في اللقاء دلالة إضافية، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تعزيز التعاون العربي وفتح قنوات جديدة أمام المنتجات اللبنانية.

وجود وزير السياحة والآثار الأردني والسفير الأردني في لقاء زراعي في راشيا لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا فقط، بل فتح النقاش أيضًا حول إمكانات التكامل بين الأسواق العربية والمنتجات الزراعية والسياحة الريفية.

لحود: عندما تصبح الزراعة جزءًا من السياحة

وزيرة السياحة لورا لحود قاربت الموضوع من زاوية مختلفة، إذ ربطت بين الزراعة والسياحة، معتبرة أن مناطق راشيا والبقاع الغربي تمتلك مقومات تسمح بتطوير السياحة الزراعية والريفية.

فالكروم ليست فقط مصدرًا للدخل الزراعي، بل جزء من هوية المكان وذاكرته وتراثه.

ومن الممكن أن يتحول موسم القطاف، وزيارة الكروم، والتعرف إلى طرق إنتاج الدبس والعرق والنبيذ والزبيب وسائر المنتجات المحلية، إلى جزء من مسار سياحي واقتصادي متكامل.

وبذلك تصبح الأرض نفسها عنصرًا في الدورة الاقتصادية والسياحية، بدل أن يبقى الإنتاج منفصلًا عن القطاعات الأخرى.

أبو فاعور: المطلوب خطوات عملية

النائب وائل أبو فاعور ركز على ضرورة إبقاء التواصل مباشرًا مع المزارعين والاستماع إلى مشكلاتهم وتحويل المطالب إلى خطوات قابلة للتنفيذ.

فراشيا والبقاع الغربي يمتلكان إمكانات إنتاجية كبيرة، لكن حماية هذه الإمكانات تتطلب سياسات عملية تتعلق بالأسواق والتسويق ودعم الإنتاج وفتح قنوات التصدير.

وتبقى الأولوية، وفق هذا المنطق، في مساعدة العائلات التي لا تزال تعتمد على الأرض كمصدر رزق، وفي إعطاء الجيل الشاب أسبابًا حقيقية للبقاء في القطاع الزراعي.

السؤال الأهم: ماذا بعد لقاء كفرمشكي؟

ربما تكون القيمة الأهم لهذا اللقاء أنه نقل النقاش من تشخيص المشكلة إلى طرح مشروع يمكن البناء عليه.

لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء اللقاء.

هل تتحول فكرة المجمع الزراعي إلى دراسة جدوى واضحة؟ وهل تُحدّد حاجات المزارعين وكميات الإنتاج والطاقة الاستيعابية المطلوبة؟ وهل تُبحث إمكانية إنشاء مركز للفرز والتوضيب والتبريد والتصنيع؟ وهل تُفتح أسواق جديدة أمام المنتج اللبناني؟ وهل يمكن أن تتكامل الزراعة مع السياحة الريفية في راشيا والبقاع الغربي؟.

هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان لقاء كفرمشكي محطة عابرة في موسم زراعي، أم بداية لمسار جديد.

فالعنب الذي ينمو في كروم كفرمشكي لا ينبغي أن تنتهي رحلته عند باب المزرعة. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول حبة العنب إلى منتج مصنّع، والعنقود إلى سلعة قابلة للتصدير، والمزرعة إلى مساحة إنتاج وسياحة، والموسم الزراعي إلى مصدر دخل مستدام.

فهل تستطيع كفرمشكي، بدعم الدولة والقطاع الخاص والمزارعين، أن تنتقل من قرية منتجة للعنب إلى نموذج زراعي متكامل، يبدأ من الكرمة وينتهي في الأسواق اللبنانية والعربية؟.

وفي ختام اللقاء، أقامت عائلة السيقلي مأدبة غداء على شرف المشاركين، تضمنت مجموعة من المنتجات الزراعية والمحلية، في مشهد اختصر رسالة اللقاء: الأرض لا تزال قادرة على الإنتاج، لكن حماية إنتاجها تحتاج إلى سوق، وتصنيع، وتسويق، وشراكة حقيقية حول المزارع.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الإنمائي والبيئي والزراعي

المقال المنشور يعكس المعطيات والمواقف الواردة في المادة الصحافية، ولا يعكس بالضرورة موقف الموقع.


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا